|
*أولوية
الحريات الفردية
سامر خير أحمد
نقلا عن جريدة "الغد" الأردنية
رحل هشام شرابي قبل أربعة أعوام، تاركاً إرثاً
ثرياً من الفكر المعني بأزمة العرب الحضارية، وكيفية تجاوزها.
أشهر ما تركه شرابي من جملة مؤلفاته، هو "النظام الأبوي".
وهناك كتاب آخر، طُبع أكثر من مرة، لكنه لم ينل شهرة مماثلة في
العالم العربي، هو "النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن
العشرين". في هذا الكتاب، الصغير نسبياً، يضع شرابي كثيراً من
الإشارات الدالة على أهمية الحلول الفردية في التغيير والنهوض،
ويُبشر بالحالة التي كانت إرهاصاتها الأولى قد ظهرت في العالم:
مركزية الحركات الاجتماعية في أي مشروع تغييري. ومن هذه النقطة،
تنبع أهمية الاعتناء بالقدرات الفردية في مجتمعاتنا، عوضاً عن
التنظيمية السياسية. هذه القدرات لا تصدر بالطبع إلا عن أفراد
أحرار، قادرين على الاختيار واتخاذ القرارات بأنفسهم، ما يدل
–بالتالي- على أن الوصول إلى حرية الفرد، في مجتمعاتنا، هي أول
الطريق من أجل تحقيق نهضة عربية حقيقية وقوية.
الحرية الفردية
غير متحققة في مجتمعاتنا. هذه حقيقة لا تنقصها الدلائل
والإثباتات، وعلى المرء أن يخوض يومياً العديد من المعارك ضد من
يتدخلون في خصوصياته وخياراته وشؤونه. لكن، من يا تُرى المسؤول
الأكبر عن مصادرة هذه الحريات الفردية في بلادنا ومجتمعاتنا؟!
هناك، كما هو معروف، جهتان تعملان على مصادرة هذه الحريات،
وتحولان دون تحققها، هما: السلطات السياسية، والمجتمع بثقافته
الأبوية. الفكرة الطاغية أن السلطات السياسية هي الأكثر تدخلاً
في الحريات، ومنعاً لها. قد يكون هذا صحيحاً في الحريات السياسية
والمدنية، لكننا نستطيع أن نجادل أن "المجتمع وثقافته" هما السبب
الرئيسي في مصادرة الحريات الفردية، ذات الطابع الثقافي
والاجتماعي، فهو الذي يتدخل في حرية الاعتقاد، وحرية اللباس،
وحرية العلاقات، وحرية السلوك، وحرية المظهر، وحرية اختيار
المهنة، وحرية الزواج، ..الخ، بينما لا يكون تدخل السلطات
السياسية في هذه الأمور إلا من باب مغازلة المجتمع، في محاولة
منها لإقناعه بشرعيتها، وهي المسألة التي تفتقدها وتفتقر إليها،
فلو كان لها من الشرعية ما يغنيها عن مغازلة ثقافة المجتمع
والجري وفق مفاهيمها المتخلّفة، لما تدخلت إلا في الحريات
السياسية.
المعركة الحضارية الحقيقية، إذاً، هي في المجتمع، ومع ثقافته
التي لا محل فيها لحرية الفرد في القرار والاختيار. أي أن النجاح
الحضاري لا يكون ممكناً، قبل أن يتقبل المجتمع، ويحترم، حق الفرد
في اختيار حياته بكافة مفرداتها.
نعود، هنا، إلى هشام شرابي، مرتين: الأولى مع تفسيره لآليات عمل
هذه الثقافة التي سمّاها "أبوية"، فهو يقول، في "النظام الأبوي
وإشكالية تخلف المجتمع العربي" إنها تعمل عبر ثنائية "العادة
والإكراه"، فثمة قواعد ثابتة لا يقبل المجتمع تغييرها هي
"العادة"، وثمة فرض لهذه العادة على كل فرد في المجتمع، بسبل
شتى، "إكراهية".
وهكذا، نستخلص من شرابي، أن النجاح في المعركة يتطلب تقويض هذه
الثنائية، إذ أن مصادرة الحريات تتم من خلال عمل المجتمع على
تنميط أفراده عبر "العادة والإكراه".
العودة الثانية لشرابي، هي في كتابه "النقد الحضاري"، ففيه يحتج
على سعي المفكرين العرب لتطبيق النظريات الاجتماعية الغربية
ومقولاتها، على المجتمعات العربية. من هذه الزاوية، لا بد من
القول أن من الضروري عدم تسمية الحريات الفردية في المجتمعات
العربية، بـ"الليبرالية الاجتماعية"، لأن لهذا التعبير معناه
الخاص في المجتمعات الغربية، وهو معنى يثير مشكلات في مجتمعاتنا،
نحن في غنى عنها، لأنه يدخل حقولاً إضافية من الحريات الفردية،
لا تقع في صلب أزمتنا الحضارية.
أولوية الحريات الفردية، التي تعني أولوية الاشتباك مع الثقافة
الاجتماعية المتخلفة السائدة، لا تشير فقط إلى أن الاستبداد
السياسي ليس أصل المشكلة، بل أيضاً أن الاستبداد السياسي الظالم،
لن يكون ممكناً في ظل ثقافة الحريات، فهو يعتاش على الثقافة
المتخلفة، لأنها مثله: ظالمة ومستبدة، ولكن ثقافياً واجتماعياً.
|