|
* الأساس
الفلسفي للأفكار الحرة
محمود كرم
موقع تنوير -
21/04/08//
في أغلب مراحل التاريخ الإنساني كانت الأفكار الحرة بكل
مستوياتها واتجاهاتها وتموجاتها تتقصّد المواجهة مع الظروف
المحيطة بها ، لا تستسلم لها ، ولا تحاول مجاراتها نفاقاً أو
ترضيةً أو مهادنة أو تراجعاً ، بل تتشابك معها في معاركَ قد تطول
وقد تقصر في بعض الأحيان ، لأنها أفكار معنيٌة في الأساس بخلق
حالةٍ أو مستوى إنساني لا يخضع للظروف المحيطة سواء أكانت
اجتماعية أم ثقافية أم دينية أم سياسية ، وتحتفظ الأفكار الحرة
الشجاعة ببسالتها النقدية وبومضاتها التفكيرية وبقدارتها
التفكيكية في مواجهة الظروف وصناعة الحياة المبتكرة ، لذا فهي
ترفض الانزواء والتقوقع والتراجع ، لأنها باعثة على المواجهة
وخالقة لظروفها ودافعة للتفكير والتساؤل والإبداع ، ولأنها تتجه
مباشرةً إلى العقل ، تستثيره وتحفّزه وتفجّر فيه منابت السؤال
والتفكير ، وتمنحه هوية إنسانية يتجلى بها حضوراً على مسرح
الحياة ، ويرتفع بها على أية هوية أخرى سواء أكانت دينية أم
عرقية ..
إنها الأفكار الشجاعة الحرة التي تسعى إلى فعل التفوق على ما
عداها من أفكار أخرى ، لأنها تؤمن إنه حينما تستطيع أن تتفوق على
ما سواها ، فإنها بذلك تستطيع أن تنتصر في معاركها ومواجهاتها مع
الظروف والواقع السائد والتخلف ، ولا يعني هذا السعي نحو التفوق
والألق بالنسبة إليها سوى تأكيد على المضي قدماً في مواجهاتها
الفكرية مع الظروف ، لأن الأفكار الشجاعة ، الحرة ، الجريئة ،
الملهمة للعقل والتفكير والتساؤل ، لا تبحث عن شروط المواءمة
والتكيف مع الظروف ، بل هي تتناقض معها ، وتخلق من هذا التناقض
ظروفاً جديدة ومستويات متجددة وطرقاً مبتكرة في مواجهة الواقع ،
وتخلق منه أيضاً مسارات أكثر فاعلية وإيجابية ، بينما الأفكار
المتخلفة المستسلمة تبحث عن انتصارها في الظروف المتاحة والسائدة
والمهيمنة ، وربما في بعض الأحيان قد تتناقض مع ظروفها ، ولكنها
تسعى إلى التكيف معها ومهادنتها والانخراط في متاهاتها وتبنيها
لأنها لا تملك البديل ..
لذلك فالإنسان عموماً ، وفي حياته التي يمارسها عملياً وتطبيقياً
قد يتناقض كثيراً مع قناعاته الدينية والمذهبية والعقائدية ،
ولكنه لا يستثمر هذا التناقض في المواجهة والتصادم معها ،
ومحاولة تخطيها وتجاوزها والانتصار عليها ، لأنه يخشى أن يفقد
ذاته وتاريخه وهويته ، ولأنه لا يعرف الطريق إلى خلق البديل الذي
يمنح ذاته حالة من الانسجام والاتزان والتثبت ، ويزيل عنها
بالتالي حالة التشظي والتناقض والقلق والترجرج ، وعليهِ فالإنسان
في النهاية هو المسؤول عن خلق مستوياته التفكيرية ليدخل بها في
مواجهة مع الظروف المحيطة ، كما إنه المسؤول أيضاً عن انحدار
مستوياته ، لأن الإنسان حينما يواجه الظروف ويبدع في
ذلك ويجترح صيغاً مناسبة له ، فإنه يريد بذلك أن يخلق ظروفاً
دافعة وداعمة وملهمة لابداعاته وتألقاته وتوثباته الثقافية
والنفسانية يرفع بها من مستوياته في التفكير والادراك والتحديق
والإنجاز ، بينما مَن يبحث عن اسلوب يوفر له طرق التكيف والتلاؤم
مع الظروف ، فإنه بذلك لا يعكس سوى مكونات وحالات ومستويات
الظروف المحيطة به ، والفرق هنا بين هذا الإنسان وذاك ، هو الفرق
بين مَن يجد في الظروف واقعاً مسلّما به يدفعه للخضوع له والتكيف
معه استسلاماً وخوفاً وتقديساً أيضاً ، وبين من يجد في الظروف
واقعاً يجب مواجهته والتغلب عليه والعمل على استبداله ..
وهناك مَن يؤمن بيقينهِ الديني الثابت والمتأصل فيه ، بأن الظروف
قدره المحتوم ولا يجب تغييرها وتخطيها ، لأنه يراها من صُنع
السماء وقدراً مقدساً يحمل في الوقت نفسه قداسة السماء ولا يجوز
الاعتراض عليه ، ويعتقد بأن إيمانه بخالقهِ ، يلزمهُ بالضرورة
الإيمان بأن الظروف قدره ويلزمه بعدم تغييرها ، وعليهِ تذهب
التفسيرات اللاهوتية الدينية إلى إيهام الفرد بأن ما يحدث من
حوله والظروف المحيطة به قدراً محتوماً ومكتوباً ، ويجب أن يؤمن
به إيماناً راسخاً ، لأنه يعكس إرادة خالقه ، وتقديسه لخالقه
والإيمان به يُحتّم عليه تالياً إيمانه بالظروف وتقديسها ، وتذهب
هذه التفسيرات دائماً إلى عملية الخلط بين اعتقاد الإنسان بخالقه
، وبين ما يحدث له في الحياة ، وهذا الخلط أنتجَ تفكيراً عاجزاً
لدى الإنسان ، أصبح ينظر إلى الظروف وإلى كل ما يحدث له ، ومن
حوله ، بأن سببه تدخل الغيب والقدر والماورائيات ..
ولم تك يوماً الأفكار الحرة القوية عاجزة عن التعاطي الخلاق مع
الحياة ، لأنها أفكار معنية بانتاج الحياة التي تليق بالإنسان من
حيث كونه الصانع المباشر لها ، ومن حيث كونه المستفيد من تطورها
وألقها وجماليتها ، ولذلك لا تتردد هذه الأفكار في الدفع
بالإنسان دائماً نحو مواجهة الظروف التي تسلب منه إرادته وحريته
وكينونته ، وتدفع به أيضاً إلى مواجهة ذاته التاريخية والتراثية
والدينية والمذهبية ، ينزع منها حالة الانشداد النفساني والثقافي
التلقائي لماضوياتها التراثية المعيقة للتفكير والانتاج والتقدم
والتعايش ، إنها الأفكار التي تضع الإنسان في مواجهة الذات
التراجعية والذات المسكونة بثقافة القدريات والغيبيات ، ولذلك
فإن الأفكار الحرة والجريئة والمبدعة تتوالد في مناخات التحرر من
فروضات الفكر الديني اللاهوتي ، الذي يقوم في مجملهِ على تكريس
مبدأ العبودية في الإنسان ، العبودية التي تعني في مطلق حالاتها
ومستوياتها وصورها تبعية الإنسان الكاملة لظروفه وواقعه
وموروثاته ..
وإذا كانت الأفكار المتخلفة الانغلاقية لا تستطيع أن تصنع
اختياراتها ، لأنها في الأساس نتاج التكرار التلقيني واليقيني
للخيار أو الاختيار الذي وجدت نفسها فيه منذ زمن بعيد ، ولا تملك
القدرة على الخروج منه أو حتى محاولة امتلاك الحرية في تغييره ،
فإن الأفكار الحرة المفعمة بالموهبة والجرأة والاقدام والتمرد
صانعة حقيقية لاختياراتها ، لأنها في الأساس حرة ، والحرية في
تصورها الأصيل تعني الإرادة الحرة في اجتراح ما تريده من
اختيارات تتناسب مع طموحها واندفاعاتها ونظرتها للحياة ، وتتناسب
مع شخصيتها النقدية والتفكّرية وحتى مع جنونها وتمردها ، إنها
إرادتها الحرة التي تمنحها موهبة المواجهة مع الظروف والواقع
السائد ، وتجعلها ترفض الأفكار والظروف التي تقمع فيها روح
المجازفة والابتكار ، وتجعلها تملك أيضاً أن ترفض الأفكار
والظروف التي تسلب منها رغبتها في العطاء والتغيير والتفرد ..
وجوهر الأفكار الحرة ، القوية ، في نتائجها الداعمة للحياة
والإنسان ، لأنها معنية بابتكار الحياة الملونة والذكية والمبدعة
والمنفتحة والملهمة ، ولأنها ملهمة لنزعة الإنسان الدائمة نحو
الإبداع والتألق والمغامرة ، وفي أغلب مراحل التاريخ الإنساني
استطاعت الأفكار الحرة أن تثبت إنها قادرة على الانتاج والابتكار
والإبداع ، ألم تحقق أفكار الفلاسفة الأغريق مثلاً ، نتائج رائعة
في بلورة ( الفلسفة الإنسانية ) التي دعت إلى قداسة قيم الإنسان
الفردية ، من حيث كونها الأساس الذي قامت عليها وانطلقت منها
مجمل الإبداعات البشرية في حقول المعرفة والفن والأدب ، ألم تكن
هذه الأفكار الحرة ، خلاقة في نتائجها على تطور الحياة والإنسان
، وكان أن استدعت واستحضرت منابر التنوير في أوروبا تلك الأفكار
وركزت عليها لمواجهة اللاهوت الديني الكنسي ، والخروج بها إلى
رحاب الحداثة والتغيير ، انتصاراً لقيم الإنسان الفردية في
الحرية والاستقلالية والاختيار ، وانتصاراً للحياة الخالية من
فكر الوصاية والهيمنة والاستبداد ، وألم تُحدث بالتالي أفكار
الفلاسفة التنويريين تطوراً هائلاً في تقدم الفكر الإنساني ،
وحققت بذلك نتائجَ باهرة في ميادين الفكر والنقد والفن والتفكير
والنظريات ، وعظمة الأفكار تقاس بما تستطيع أن تقدمه ، وبما
قدمته للإنسانية والحياة من ابداع وتطور وتغيير وجمال وحضارة
وموهبة ..
والأفكار الحرة بالضرورة تستدعي ظروفاً حرة ، وتستلهم منها الرؤى
الرائعة لصناعة الحياة البهيجة ، الجميلة والمبدعة ، إنها
الأفكار التي لا تحشر الحياة في ثقافة الموت والقبور والعذابات
والأهوال ، إنها صانعة للبهجة والفرح والحب والفن البديع ،
ونابذة بالمقابل لثقافة الموت والكآبة والخوف والتردد والعبودية
، لأن مَن يعش بين نعيق تلك الثقافات كيف له أن يرى الحياة
مسرحاً للإبداع والجمال والتألق والتمرد والجنون الملهم ، وإنها
الأفكار التي ترى في الحياة فضاءً يجب أن يزدحم بالألوان الباعثة
على الجمال والبهجة والموهبة والذكاء ، وإنها الأفكار التي تمنح
الحياة فتنة المنجز الإنساني الجمالي المتحرر من ثقافة الموت
والكآبة والخوف ، وإنها الأفكار التي لا ترى في المنابر الضاجة
بصراخ الكآبة والخراب والموت والفناء والوعيد ، سوى تخريب وتشويه
لجمال الحياة البهية ، وتطاول صارخ على حق الإنسان في اختيار
ظروفه الحرة والنظيفة ..
وهل تستطيع الأفكار التي تشرّع المحرمات والممنوعات ، وتجعل
الإنسان مسكوناً على الدوام بعقدة الابتعاد والتخلص والتطهّر من
الآثام ، وفقاً لتعاليمها وتوجيهاتها وفروضاتها وتحذيراتها ،
وتجعله دائماً في حالةٍ من تأثيم الذات ، هل تستطيع أن تبني
حياةً وظروفاً نابضة بدفق التألق والإبداع والحرية .؟ وهل تستطيع
أن تبني إنساناً يهوى المجازفة والمغامرة والتغيير والاقتحام
والتمرد ، ويتفوق بالرفض والتحديق والنقد والمساءلة .؟ بالطبع لا
، لأن هذه الأفكار هادمة للرغبة والإرادة الإنسانية ، ورافضة
للعقل والتفكير ، وقامعة للذاتية والحرية والتحرر والاستقلالية ،
إنها الأفكار التي دائماً وأبداً تتعقب الإنسان بالمحرمات
والممنوعات ، وهي الأفكار ذاتها التي تجد في المحرمات والممنوعات
والتأثيمات والتعنيفات والتوبيخات ترسيخاً لثقافة الكآبة والموت
والعبودية ، وتأكيداً على ثقافة الوهم والخرافة ، ودعوة
للاستسلام للظروف والواقع وثقافة القدريات والغيبيات ، وتحسب ذلك
كله ابتلاء واختبار للإنسان ، ابتلاء واختبار يتجرّع بهما الكآبة
والموت والدمار ، ويستزيد بهما استسلاماً وخنوعاً لكل تلك
الثقافات الهالكة ، بينما الأفكار الحرة ، الصانعة لظروفها الحرة
، تستنهض في الإنسان نزعة الذات التفكّرية والاستقلالية
والإبداعية والتساؤلية ، وتستدعي فيه الرغبة والإرادة والاقتحام
، وتبعث فيه روح المواجهة والحياة ، واحتمالات الخلق والتغيير ..
|