|
|
|
حزب الحداثة
والديمقراطية لسورية |
|
*التسامح
والديمقراطية
شمس
الدين الكيلاني
المستقبل -
23/04/08//
غدا التسامح سؤالاً
كونياً راهناً، أمام تفجر المشكلات الدموية، لقوى التطرف في
العالم، تحت غطاء حروب الحضارات وخصوماتها، وانفلات القوى
المدمرة الإقصائية داخل المجتمعات النامية، التي أخفقت في
التقدم، فانفلت إخفاقها صراعات عرقية ومذهبية كاد أن يدمر العديد
من المجتمعات.
وعلى الرغم مما شهدته المجتمعات القديمة من بذور للتسامح، على
مستوى السلوك الأخلاقي الفردي إلاّ أنه ارتبط زمانياً وذهنياً
بالعصر الحديث، فلقد أجبر هول الحروب الدينية، أوروبا على
التفكير بالخروج من مأزق الإنكار المتبادل، والانفتاح على تقبل
الآخر في اختلافه الديني والفكري، فعقدت معاهدة وستفاليا عام
1648، لوضع حد للحرب، وقد أقرّت فيها بالمبدأ القائل (إن الناس
على دين ملوكهم) أي التسليم بحق الدول بالاستقلال بشأنها، وهذا
ما فتح الطريق إلى ما يسمى العلمنة، أي استقلال المؤسسة السياسية
عن المؤسسة الدينية، شاعت بعدها روح التسامح، وما تزال تتوطد مع
استمرار نهضة أوروبا وتقدمها.
وأعقب معاهدة وستفاليا إجراءات قانونية من جهة، وتوجهات فكرية
عزُزت من فكرة التسامح. منح ملك فرنسا هنري الرابع الكالفانيين
بموجب مرسوم نانت عام 1598 الحق بممارسة طقوسهم الدينية بحرية
تامة، وأوعز فريدريك ملك بروسيا في عام 1740 بممارسة التسامح
الديني، وما لبثت أن قبلت بريطانيا أن يشمل التسامح الكاثوليك،
عام 1829، ثم اليهود و الملحدين عام 1888.
و قامت فكرة التسامح كاتجاه فكري شمل المجال الديني والفكري
والسياسي، فإذا كانت الحروب الدينية، انتهت باتفاق الأمراء على
أن يختار كل واحد منهم الديانة الخاصة لشعبه، فإن سبينوزا قد وسع
هذا الحق ليشمل كل فرد، وليصبح حقاً غير منقوص في اختيار الفرد
لدينه، ولفكره، وشدّد جون لوك على أنه لا يمكن لأحد أن يكيف
معتقداته لتتوافق مع ما يمليه عليه شخص آخر، لأن قوة المعتقد
تقوم على الاقتناع العقلي الداخلي. لهذا، لا يمكن استخدام السلطة
السياسية في مجال الإيمان الديني، لأنها يجب أن تقف في حيادية
لحماية حرية كافة الأديان والمذاهب.
فقد نظر لوك إلى الدولة كجماعة سياسية وظيفتها الأساسية الحفاظ
على الحقوق المدنية للفرد: حق الحياة، وحق الحرية الفكرية،
وسلامة الدين، والتملك، واستناداً إلى هذا التصور انحصرت سلطة
المؤسسة السياسية على حماية هذه الحقوق، ورعايتها ودعمها، ولا
يحق لها التدخل في صلاحيات السلطة الدينية، أي في مجال الإيمان.
بالمقابل انحصرت سلطة المؤسسة الدينية/ في مجال الإيمان، من دون
أن تملك الحق في تعريض رعاياها للعقوبات الجسدية، أو المادية، أو
التدخل في شؤون المؤسسة السياسية.
ولقد ساهمت حركة التنوير، بتأثيرها الواسع على المناخ الفكري،
بتأسيس وضع ثقافي يتقبل حرية التفكير والاعتقاد، ويوفر المناخ
المناسب لانتعاش فكرة التسامح، وممارستها الاجتماعية وذلك
بتحريرها الأفراد من تحيزاتهم الدينية والفكرية، وتمكينهم من
الاعتماد على أنفسهم في تقرير واختيار قراراتهم الحرة بشأن
مصيرهم الذاتي والاجتماعي.
ولم تتعزز فكرة التسامح الاّ بمقدار التوسع في بناء الأنظمة
الديموقراطية وانتشارها في أوروبا والعالم، وتكريسها في دساتير
الدول، وامتلكت في النهاية شرعة عالمية بإعلان اليونسكو عن
(مبادئ التسامح) في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1995، انطلاقاً من
مبادئ حقوق الإنسان، فأعرب في بنده الأول عن:
أولاً: احترام وقبول تنوع واختلاف ثقافات عالمنا، فليس التسامح
مجرد واجب أخلاقي، ولكنه أيضاً ضرورة سياسية وقانونية، وهو فضيلة
تجعل السلام ممكناً عالمياً.
وثانياً: اعتبار التسامح ليس تنازلاً أو مجاملة للآخر، ويجب أن
يُطبق من طرف الأفراد كما من طرف الجماعات والدول.
وثالثاً: إن التسامح هو مفتاح حقوق الإنسان والتعددية
والديموقراطية ودولة الحق.
ورابعاً: إن تطبيق مفهوم التسامح يعني ضرورة الاعتراف لكل واحد
بحقه في حرية اختيار معتقداته، والقبول بأن يتمتع الآخر بالحق
نفسه.
ويذهب البعض في التمييز بين ثلاثة أشكال رئيسية للتسامح، أولها،
التسامح الديني، الذي يفترض التعايش بين الأديان على أساس
الاعتراف المتبادل بحقها في ممارسة شعائرها وطقوسها، ونبذ التعصب
والإقصاء. وثانيها، التسامح الفكري الذي يفسح مجالاً لتعبير
الأفراد و الجماعات عن آرائها بحرية، بدون التعرض للإكراه،
واحترام أدب التلقي والحوار، مع الحق في التعبير والنشر.
وثالثها، التسامح السياسي، وهو يتطلب ترسيخ مبادئ الحريات
السياسية، وضمان ممارستها فردياً وجماعياً، وتتطلب هذه الأشكال
الثلاثة الديموقراطية.
فالتسامح يتضمن الاعتراف بالآخر والتعايش معه، والقبول به على
الرغم من الاختلاف الديني والفكري الذي يباعد بين الأفراد
والجماعات، وعلى هذا، فهو يتعايش مع الحرية، والديموقراطية، بل
إنه يتضمنهما، فالمناخ التسامحي يفترض الحرية، والديموقراطية
كإطار ضامن، لاستقلال الأفراد والجماعات باعتقاداتها وآرائها من
دون أن تشعر بالتهديد.
|
|
|
|
الرئيسية |
أعلى الصفحة |
|