|
*الحرب
والسلم
امين قمورية
النهار -
29/04/08//
أولمرت يترجّح بين خيار
الحرب مع سوريا وخيار السلم. يوم يعلن الاستنفار على جبهة
الجولان ويحذّر من ضربات قاسية، وفي اليوم التالي يبدي استعداداً
لتقديم "تنازلات مؤلمة" لسوريا ويلوح بامكان التخلي عن الهضبة
واعادتها الى اصحابها.
يتحدث عن النيات "العدوانية" لدمشق لكنه يدرك ان القيادة السورية
ليست في وارد المبادرة الى شن حرب وتكرار ما حدث في تشرين 1973
لانها بلا مصر، ولان مصر لم تعد في الميدان، ولان من دون الجبهة
المصرية المفتوحة يصير اي قرار من هذا النوع اشبه بمغامرة عسكرية
غير مضمونة النتائج.
من يفكر بالمبادرة الى شن الحرب هو اسرائيل. لكن اسرائيل عندما
تضع قراراً من هذا النوع على مشرحة البحث والتفصيل يتبين لها ان
الحرب مهما تكن نتائجها لن تصب بالضرورة في حسابها الاستراتيجي
وهو ضمان الامن لحدودها.
انتصارها الساحق في اي حرب قد تشنها على سوريا سيؤدي الى واحد من
خمسة احتمالات افضلها ليس في مصلحتها:
الاول، ان تقود النتائج المدمرة للحرب سوريا الى انهيار النظام
والفوضى الشاملة، عندئذ تصير سوريا عراقاً آخر ولكن بحدود مفتوحة
على اسرائيل، وبعدها من يضمن امن هذه الحدود التي لم تسمع منذ
1973 طلقة واحدة ولا تضاهيها هدوءاً حتى الجبهتان المصرية
والاردنية.
الثاني، ان يسقط النظام ويحل محله نظام اسلامي متشدد، وعندها
يصير الجولان اشد خطراًعلى اسرائيل من قطاع غزة وجنوب لبنان.
الثالث، وان يكن ضعيفاً، هو ان يسقط النظام ويحل محله نظام
ديموقراطي متحالف مع الولايات المتحدة، وعندها يصير من الصعب على
اسرائيل عدم التخلي عن الجولان المحتل لهذا النظام "الصديق"
لاميركا ومن دون ثمن في المقابل سوى الوعد بالصداقة والسلام.
الرابع، ان يحافظ النظام على وجوده بعد الحرب ولكن بعد خسارة
مقومات قوته، وعندها فالارجح ان يزداد تشدداً وتسقط سوريا في ما
تخشاه اسرائيل، اي في الاحضان الايرانية وتصير سوريا "حزب الله"
او "حماس" كبيرين.
الخامس، وارد جداً، اي ان تفشل اسرائيل في هذه الحرب، كما فشلت
في حربها على "حزب الله" قبل سنتين، وعندها فإن تداعيات فشل كهذا
ستكون اضعاف مضاعفة لتداعيات فشل تموز. ومن يضمن بعد ذلك الا تكر
السبحة؟
اسرائيل تتحدث عن حرب لكنها غير متحمسة لها ولاي من نتائجها
المحتملة. وبما انها تدرك انها عاجلاً ام آجلاً ستتضطر الى
التخلي عن الجولان، فلماذا لا تجرب خيار السلام مع سوريا على امل
ان تنتزع في المفاوضات ما لم تنتزعه في ساحات القتال؟
اولمرت عاد الى الحديث عن المفاوضات مع السوريين وفي نيته اغراء
دمشق بالجولان في مقابل تخليها عن ايران و"حزب الله" وعزلها عن
عمقها العراقي، وفصل مسارها عن القضية الفلسطينية.
سوريا في المقابل، لا تخشى على جولانها، كما لا تخشى ان يكون
الوقت الضائع على حساب تهويده. فالهضبة، على رغم ضمها الى
اسرائيل، ليست الضفة، والمستوطنون فيها لا يتجاوز عددهم الـ15
الفاً في حين يزيد المستوطنون على 300 الف في الضفة، والقواعد
العسكرية الاسرائيلية في الجولان اصغر بكثير من تلك الموجودة على
الحدود مع لبنان وقطاع غزة وفلسطين. وشؤون اهل الجزء المحتل من
الهضبة لا تزال تدار من القنيطرة على رغم الاسلاك الشائكة
الفاصلة.
دمشق تدرك ان الجولان سيعود اليها عاجلاً ام اجلاً، وتدرك ايضاً
ان استعجالها ابرام السلام مع اسرائيل يسيء اليها اكثر مما
يفيدها، لان شرعية نظامها الاقلوي مستمدة من الممانعة وربط
الجولان بفلسطين. فبماذا يزايد هذا النظام بعد ذلك على المتربصين
بحكمه اذا تخلى عن فلسطين؟ كذلك فإن استعادة الجولان وحده لا
تكفي ثمناً للسلام ما لم يرفق بالدور الاقليمي الذي لا تعيش من
دونه دمشق وفك عزلتها الاقتصادية... والا لماذا فشل لقاء جنيف
بين حافظ الاسد وبيل كينتون، فهل هي الامتار العشرة على حدود
طبريا هي التي حالت دون اعلان الاتفاق؟
اولمرت لوّح بالسلام علّ ذلك يخرجه من حشرة الحرب داخلياً
ويساعده في فتح كوة في جدار العلاقة بين دمشق من جهة، وطهران
والضاحية الجنوبية وغزة من جهة اخرى، مع علمه المسبق ان الطبخة
التي يطبخها لن تنضج من دون اضفاء اللمسات الاخيرة "للشيف"
الاميركي عليها. وقد تبين سريعاً ان هذا "الشيف" لم يستطيب ابداً
هذه الطبخة ولم يجدها مناسبة للموائد الشرق الاوسطية اليوم.
وبالنسبة الى سوريا فإن ما يعرضه عليها رئيس الوزراء الاسرائيلي
بضاعة سبق لها ان اشترتها وباعتها عشرات المرات من دون ان تتسلّم
مرة واحدة ما عندهم او تسلّم ما عندها. لكن توقيت عرضها الآن
يجعلها مادة مفيدة لدمشق لفتح صفقة علاقات عامة مع الذين يغلقون
في وجهها الابواب، ومناسبة لاظهار حسن النية. لكنها تعرف ان
طبخات كهذه لا تطهى الا مع "الشيف" الاميركي المتمكن. وبما ان "الشيف"
الحالي يستعد لمغادرة مطبخه قريباً، فالافضل بيع الكلام في
انتظار مجيء الطباخ الاميركي الماهر
|