|
*عندما
تضطهد المرأة ذاتها
ميشال شماس
النهار - 30/04/08//
ليس جديداً القول إن
المجتمعات العربية والإسلامية هي مجتمعات ذكورية تربي أطفالها
الذكور ليصبحوا في المستقبل رجالاً أسياداً مطاعين، لهم كل
الحقوق والواجبات والامتيازات، حتى أن المرأة ما زالت إلى يومنا
عندما تتزوج وتنجب، فإنها تربي إبنها الذكر ليكون قوياً
ومتحكماً، بينما تربي شقيقته الأنثى على طاعة شقيقها وعدم عصيان
أوامره، بحجة أن الفتاة المطيعة هي المطلوبة والمرغوبة في
المجتمع.
وإذا كان أمر تعرض النساء للعنف من قبل الرجال في مجتمعاتنا
المتخلفة كثير الحدوث، وإن كان مستهجناً ومرفوضاً من قبل البعض،
وخصوصا الجمعيات والمنظمات المدافعة عن حقوق المرأة، إلا أنه مع
ذلك يبقى أمراً مألوفاً من جانب الغالبية العظمى من "رجال
مجتمعاتنا الأشاوس". إلا أن ما لم أستطع أن أفهمه حتى الآن هو
اضطهاد المرأة للمرأة، أو أن تقوم المرأة باضطهاد ذاتها. فكثير
من النساء في مجتمعاتنا ما زلن مؤمنات أن ليس لهن حق في إبداء
رأيهن بمن سيقترن به. ومازال كثير منهن يؤمن بأنهن خلقن لخدمة
الرجل سواء كان أخاً أم أباً. ولاحقاً لتكون مجرد خادمة، ووعاء
لتلبية رغبات الزوج وشهواته. أما إذا صادفت تلك المرأة، امرأة
أخرى تجادل الرجال وتدافع عن نفسها بقوة وتلبس بشكل مختلف، فتقول
عنها إنها امرأة فاجرة وفاسقة، بينما هي لا تستطيع الخروج من
دائرة الرضا بالخنوع الذي تربت ونشأت عليه في بيت أهلها ثم في
بيت زوجها، وهي لا تدرك أن حالها كحال الأسير الذي يجهل أنه
أسير!
ما زالت أذكر أنه في كثير من الانتخابات البلدية والتشريعية
التي شاركت فيها، لم تنجح امرأة مستقلة خاضت تلك الانتخابات إلا
من خلال قوائم الجبهة الوطنية، ليس لأن الذكور لم يصوتوا لها، بل
لأن النساء حجبوا أصواتهن عن النساء المرشحات، بينما أعطوا
أصواتهن للذكور. حتى على مستوى المؤتمرات الطالبية في الجامعات،
كانت الطالبات يعطين أصواتهن لزملائهن الذكور، بدلاً من زميلاتهن
الإناث.
وهذا الأمر لا يحدث في المجتمع السوري فقط، وبل في جميع الدول
العربية بلا استثناء، وإن اختلفت النسب. ففي المغرب مثلاً، وقف
العديد من النساء في العام 2000 ضد مشروع أعدته الحكومة المغربية
يهدف إلى إدماج المرأة في التنمية ومساواتها في التشريع والحقوق
والمسؤوليات مع الرجل. حتى أنهن تظاهرن قي شوارع الدار البيضاء
ضد هذا المشروع. وفي السعودية وجهت أكثر من 500 امرأة خطاباً إلى
الملك عبدالله بن عبد العزيز عندما كان ولي عهد السعودية يطالبن
فيه بعدم السماح للمرأة بقيادة السيارة، وعدم السماح لها بالعمل
خارج البيت، خشية تعرض المرأة السعودية للتحرش. وكان بين
الموقعات على ذلك الخطاب الكثير من النساء اللواتي يحملن شهادات
علمية عالية. وقد ردت عليهن سيدة الأعمال السعودية رجاء المنيف
قائلة: "هن أكاديميات وطبيبات ومعلمات، فليتركن أعمالهن
وجامعاتهن ويتفرغن لبيوتهن وتربية أبنائهن وبناتهن ويكن على قدر
ما كتبن في خطابهن”. وأما في العراق الذي سيطرت عليه الأصوليات
والميليشيات المدعومة من المراجع الدينية، فقد طالب عدد من
النساء اللواتي أصبحن أعضاء في البرلماني العراقي بسن قوانين
تسمح بضرب الزوج لزوجته، وحرمان المرأة من الوصاية على أطفالها
بعد الطلاق، وإلغاء قانون الأحوال الشخصية الذي صدر إبان حكم حزب
البعث باعتباره علمانياً واستبداله بالشريعة الإسلامية..إلخ.
تُرى ما الذي حول النساء من شقيقات للرجال في الحقوق والواجبات،
إلى جاريات يقبلن بالذل والخنوع، ويرضين أن يكن مجرد خادمات
لأشقائهن؟! إنها العادات والتقاليد التي مازالت تكرس سطوة الرجل
وتحكمه بمصير الأنثى. وتلك الأفكار التي تجرعتها المرأة ولا تزال
تتجرعها على يد أصحاب الفكر السلفي (من أنها مخلوق ضعيف وضلع
قاصر، وأنها عورة يجب سترها وشيطان ينبغي التعوذ منه بالضرب
والحجب. لا تُؤتمَن على شرف أو وطن أو مسؤولية. لذا فهي تحتاج
دائماً إلى ذكر يدبر أمورها، وولي يكون قيـّما عليها يقي المجتمع
من " فتنها" و"شرورها"). هذه النظرة إلى المرأة مازالت بكل أسف
تتوارثها الأجيال منذ ما قبل الإسلام، وهي مستمرة إلى يومنا هذا.
|