حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية

المؤتمر التأسيسي 

مقدمة 

الحزب

أفكار و مواقف

الملف الحزبي

بيانات

الرئيسية

بيانات الحزب

صحافة و إعلام
 أحزاب سورية
حقوق الإنسان
أرشيف المقالات
نشرة الحداثة
  اتصل بنا
للانتساب إلى الحزب
 

 

 حزب الحداثة والديمقراطية لسورية

*في الشعور الإيجابي بالدولة ...

عبدالإله بلقزيز                                                                                                      الحياة     - 02/01/08//

ثمة حقيقة يسيرة التبين وشديدة الوضوح في علاقة الوعي العربي – قديماً وحديثاً – بالدولة. يميل، في الغالب من أحواله، الى البرم بها كلما استحضرها في صورة السلطان القاهر الذي يفرض عليه الرضوخ والامتثال لأحكام الواجب العمومي: السلطان الذي يسحب النفوذ من المناطق (من السلط الأهلية المحلية) ويحتكره للمركز، والذي يجبي الضرائب ويفرض التجنيد ويعاقب على التمرد... الخ، ويميل في أحيانٍ أخرى الى تعظيم صورة الدولة لديه كلما تماهت (تلك الصورة) عنده مع معنى الأمن والنظام ووقف التسيب وحماية الحقوق والممتلكات والأعراض من عاديات المتربصين بها من الأفراد والجماعات. يرتفع معدَّل الشعور بالحاجة الى الدولة، في هذه الحال، بحسبانها الضمن الوحيد للنظام والاستقرار الاجتماعي، ويزيد الطلب على دورها كلما عرض للمجتمع ما يقود الى تصدع علاقاته الداخلية وقيام كل فريق منه بوظائف يخشى غيرهُ من أن تنال من مصالحه وأمنه.

لعل الشعور اياه (بالحاجة الى الدولة) يضاعف على نحوٍ غير مسبوق في حالين حرجتين تمتحنان المجتمع والأمة والجماعة وقد تطرحان الاستفهام عريضاً على ما يمكن أن يكون قد تبقى لهذه من حظوظٍ في القاء: في حال فتنة داخلية تنقاد اليها النفوس والأبدان راضية أو مكرهةً فتكون عاقبتها التقاتل والإفناء المتبادل وسيادة شريعة الأقوة والأقهر، وما يأتي في أعقابها من عقابيل (قتلٌ ومثلةٌ وامتهانٌ وضيمٌ...)، وفي حال عدوانٍ خارجي أو تهديد جدي بذلك العدوان، وما ينجم عنه من استباحة للأرض والممتلكات ومن أسرٍ وفناءٍ ومن سقوطٍ في قيود المحتل أو العدوّ الخارجيّ. تبدو الدولة في الحالين خشبة الانقاذ الوحيدة للمجتمع والجماعة. يقترن معناها هنا بمعنى أبويّ رعائي: انها رمز وحدة الجماعة – منظوراً اليها كعائلةٍ كبيرة – واستقلالها وأمن حوزتها وحياضها. هي السيد الذي يحمي بيته من عدوانٍ عادٍ، والذي يقضي بين أهله في ما شجر بينهم أو يفرض عليهم الامتثال لأحكام البيت ونظامه.

من المفارقات أن فكرة الدولة، التي لم تكد تستقر في المخيال الجماعي العربي عبر التاريخ، لا تنشأ إلا في كنف مثل هذه اللحظات من التأزم السياسي والاجتماعي. غير أن هذه التي دعوناها بالمفارقة سرعان ما تتبدى – عند التأمل والتحليل – ظاهرة «طبيعية» أو مفهومة. ذلك أنه بسبب ضعف فكرة الدولة في المخيال الجماعي العربي حصلت فتنٌ وحروبٌ أهلية مزقت الأمة والجماعة على السواء وأنتجت وعياً شقياً متحسراً على الدولة والجماعة معاً. قد يمكن أن يقال، في هذه الحال، انه لولا ضعف الدولة لما كانت فكرتها – وصورتها – ضعيفة في وعي الجماعة. وهذا صحيحٌ نظرياً. لكنه يجافي واقع الأمور، ذلك أن ضعف فكرة الدولة كان يقترن دائماً في ذلك الوعي بالشعور الجماعي بأنها قوية، جبارة، وقهرية لا ترحم. وربما كان ذلك سبباً اضافياً لهروب ذلك الوعي منها أو عدم استقرارها (هي) فيه كواقعً سياسي مطلوب أو مرغوب. وفي كل حال، لا تمثل ظاهرة الطلب الجماعي المتزايد على الدولة في أوقات الأزمات والابتلاءات، من نوع تلك التي أشرنا اليها، سوى أقطع دليل على شعور الناس بقوة الدولة، وعلى تعويلهم على تلك القوة لحماية أمنهم وديارهم. وليس يُغيّر من ذلك أنه شعورٌ يقترن بما يبدو نقيضاً له: أي ضعف فكرة الدولة في وجدان الجماعات الاجتماعية.

من الممكن لنا أن نصف هذا الانبثاق الكثيف لفكرة الدولة وللشعور بالحاجة اليها والى دورها الوطني – والذي يبدو من فرط فتور ذلك الشعور في السابق وكأنه يحدث فجأة ومن دون مقدمات – بأنه يعبّر عن حالٍ من المصالحة النفسية للمجتمع مع دولة نظر اليها باستمرار كوحش كاسر مخيف، أو ككائن سياسي غير مرغوب فيه ويستنفر في النفس الشعور بالحيطة وعدم الاطمئنان. قد تكون هذه المصالحة النفسية مؤقتة وانتقالية، أي غير قابلة للاستمرار، أو – على الأقل – غير محصنة من احتمال التصدّع والعود من جديد الى علاقات الجفاء والتهيب وفقدان الثقة. وهي غالباً ما تكون على هذا النحو، أي مؤقتة وانتقالية، بسبب النقص الفادح في الوعي السياسي عند الجمهور وفي معنى الدولة عنده أو أهميتها الاجتماعية الحاسمة بمعزل عن الأزمات الكبرى التي من نوع الفتن والحروب الأهلية والغزو الخارجي. مع ذلك، فإن تلك المصالحة (النفسية) ليست قليلة الشأن في تاريخ وعي المجتمع، ليس لأن عائداتها مجزية في حاضر ذلك المجتمع، بل لأنها تترك أثراً عميقاً في ذلك الوعي يمكن استثماره سياسياً لإعادة زرع فكرة الدولة، والحاجة الحيوية اليها، في الوعي الجمعي. وهو استثمار مطروح على جدول أعمال النخب في المقام الأول.

ليست هذه المصالحة النفسية مع الدولة – فكرة وواقعاً وكياناً – وادراكاً فكرياً للدولة كنصاب في المجتمع، أو وعياً سياسياً او مما ينتمي الى أفعال الوعي السياسي. غير أن المرء لا يملك، مع ذلك، إلا أن يلاحظ جملةً من الحقائق الدالة التي تحملها تلك المصالحة في جوفها. أولها أن «اكتشاف» الدولة كحقيقة مفتاحية للاجتماع الإنساني وكأداة صهرٍ وتوحيدٍ وتأمينٍ لا غنى للمجتمع عنها يقترن – في وعي الناس – بتراجع الشعور العدائي تجاه الدولة كرمزٍ للقهر والطغيان في مخيالهم الجماعي لصالح الشعور الإيجابي بها كرمزٍ للحماية والوحدة. ومن المفيد تماماً الانتباه الى دلالات هذا التنازل في ادراك الجمهور للدولة والى القيمة التي ينطوي عليها اسقاط تحفظاته. وثانيتها ان اقتران الشعور الإيجابي تجاه الدولة بالحاجة وبالمنفعة والمصلحة التي تنجم عنها (عن الدولة) تعيد تعريف الدولة في ادراكات الناس تعريفاً سياسياً، أي بما هي كيان سياسي – اجتماعي يُغطي حاجات موضوعية ويؤمن مصالح عامة. إذ السياسة لا تحتل وعياً إلا متى احتلته فكرة المصلحة. وثالثتها ان الخلفية المنفعية القائمة وراء تحول الشعور بالدولة من شعور سلبي الى شعور ايجابي – وهي الحاجة الى الدولة من أجل حفظ وحدة الجماعة والأمة من الانقسام والتبديد – تؤسس لإعادة استيعاء وحدة الأمة بمفردات السياسة وأدواتها، أي – أيضاً – تؤسس لميلاد وعي سياسي عام يتخطى الوعي الفئوي المسجون في حصون الهويات الفرعية.

ثمة شيء جديد اذن في المشهد ينبغي تسجيله: تنمو فكرة الدولة في المجتمع من طريق اكتشاف ما كان خافياً من وظائفها الأكثر سمواً وليس من خلال التأمل النظري. وشيئاً فشيئاً، يكتشف المجتمع ان وجوده وبقاءه رهناً بوجود الدولة وبممارستها تلك الوظائف.

 

 

     الرئيسية  

أعلى الصفحة

 

الشخصية السورية الوطنية

 

لجنة إدارة الخارج

أحزاب سورية

منتدى الحداثة

اتصل بنا

صحافة و إعلام

حقوق الإنسان