حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية

المؤتمر التأسيسي 

مقدمة 

الحزب

أفكار و مواقف

الملف الحزبي

بيانات

الرئيسية

بيانات الحزب

صحافة و إعلام
 أحزاب سورية
حقوق الإنسان
أرشيف المقالات
نشرة الحداثة
  اتصل بنا
للانتساب إلى الحزب
 

 

 حزب الحداثة والديمقراطية لسورية

*النقد الذاتي ومراجعة الفكر الارهابي (2 من 2)

السيد يسين                                                                         الحياة - 20/01/08//

يمكن القول إن مقدمة «وثيقة ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم» التي أشرنا إليها في المقال الماضي (6 كانون الثاني/ يناير) تتضمن - على إيجازها - مجموعة من الأفكار الأساسية التي تشكل ما يمكن أن نطلق عليه الإطار المرجعي للوثيقة. ولعل الفكرة الجوهرية الأولى هي النظر إلى الخلافة الإسلامية نظرة مثالية تؤدي في النهاية إلى تقديسها والحلم باستعادتها. وهذه النظرة المثالية تفتقد بشدة إلى المنهج النقدي في تناول تاريخ الخلافة الإسلامية التي عاشت على ما تقول الوثيقة ألف وثلاثمئة سنة مرهوبة الجانب، حتى سقوط الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، حين انفرط عقد المسلمين وضعفوا وتفرقوا.

ولو نظرت الوثيقة الى التاريخ الإسلامي نظرة نقدية لأتيح لكاتبها وأنصاره الكشف عن جوانب الضعف الأساسية في بنية الدولة الإسلامية، وأبرزها تغييب الشورى منذ عهد معاوية بن أبي سفيان وتغليب الحكم بالقوة وانتزاع البيعة بالسيف. هذه النظرة النقدية كان من شأنها ألا تجعل العديد من الحركات الإسلامية تحلم بعودة «الفردوس المفقود»، ونعني إعادة إنشاء الخلافة الإسلامية وكأنها يمكن أن تكون مواصلة لما كان، من غير تشخيص الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها الحكم الإسلامي في أغلب عهوده.

وإذا تجاوزنا موضوع الخلافة الإسلامية فإننا نجد في مقدمة الوثيقة إدانة مطلقة للثقافة الأوروبية باعتبار أن العمل بقوانينهم (ويقصد الأوروبيين) أدت إلى شيوع الفساد وانحلال الأخلاق في بلاد المسلمين.

وهذا الاتجاه السلبي إزاء الثقافة الأوروبية ينبغي الوقوف أمامه بالتحليل طويلاً. لأنه يقوم على تعميم جارف، وينظر إلى الثقافة الأوروبية وكأنها كتلة واحدة لا تمايز بين مدارسها الفكرية المختلفة، ولا فرق بين الاتجاهات العنصرية فيها والاتجاهات التقدمية التي تناصر قضايا العالم الثالث والعالم العربي والقضية الفلسطينية.

كما أن هذه النظرة السلبية تتجاهل المراحل التاريخية التي مرت بها الثقافة الأوروبية، ولا تركز إلا على الحقبة التاريخية التي استعمرت فيها بعض الدول الأوروبية عدداً من البلاد العربية. ولكن تغيب عنها مرحلة «ما بعد الاستعمار»، وأوجه التعاون المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية التي قامت بين الدول الأوروبية والدول العربية والإسلامية.

وخطورة هذه الفكرة السلبية في تقييم الثقافة الأوروبية أنها تصيب بالضرورة فكرة «الحداثة» التي قامت على أساسها النهضة الأوروبية الحديثة. والحداثة تقوم على الفردية من حيث احترام الفرد باعتباره كائنا له حقوق على الدولة، وعلى العقلانية، وعلى الفكر العلمي، وعلى استخدام العلم والتكنولوجيا لحل مشكلات البشر.

وتظن الوثيقة «الجهادية» أن عودة بلاد المسلمين إلى تحكيم الشريعة الإسلامية هي أساس كل صلاح للبلاد والعباد، وهذه في الواقع نظرة تبسيطية للأمور. لأن إصلاح المجتمعات المعاصرة عملية بالغة التعقيد، وتدخل فيها اعتبارات دولية وسياسية واقتصادية وثقافية ومؤسسية. وأهم من ذلك كله الرؤية الاستراتيجية التكاملية التي ستتبناها النخب السياسية الحاكمة، والإرادة السياسية لتحقيق الإصلاح.

ولو لم يكن هذا هو الحال، لصلح حال المجتمع السوداني في عهد الرئيس جعفر نميري حين أعلن تطبيق الشريعة الإسلامية، أو في عهد حسن الترابي الذي حاول تأسيس دولة دينية وأممية إسلامية في الوقت نفسه، وفشل المشروعان.

ولم تجد الوثيقة شيئاً تفخر به في العصر الحاضر إلا ما تطلق عليه «التاريخ الإسلامي المشرق» والذي هو «خير شاهد على عزهم وانتصارهم وغناهم (يعني المسلمين) حين تمسكوا بشريعتهم». ويتضمن هذا الحكم اتجاهاً ماضوياً لا يجد المرجعية إلا في الماضي، ويعجز عن فهم الحاضر واستشراف المستقبل.

ويُحمد للوثيقة نقدها للصدامات التي حدثت بين الجماعات الإسلامية والسلطات الحاكمة في بلادها باسم الجهاد، ما أدى، كما تقول الوثيقة، «إلى كثير من المخالفات الشرعية مثل القتل على الجنسية والقتل بسبب لون البشرة أو الشعر والقتل على المذهب وقتل من لا يجوز قتله من المسلمين وغير المسلمين، والإسراف في الاحتجاج بمسألة التترس، لتوسيع دائرة القتل واستحلال أموال المعصومين وتخريب الممتلكات».

هذه هي القائمة بالجرائم الإرهابية الخطيرة التي ارتكبتها جماعة «الجهاد» وغيرها من الجماعات المتطرفة.

غير أنه يؤخذ على الوثيقة أنها لم تبين لنا الآليات التي اتبعها منظرو جماعة «الجهاد» في مجال تفسير وتأويل النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، التي سمحت لهم بارتكاب ما تسميه الوثيقة «الصدامات» بما دار فيها من نسف وقتل واستباحة للأموال باعتبارها حلالاً صافياً! وتقول الوثيقة: إن هذه المخالفات الشرعية تمت نتيجة إما جهل بالدين أو عن تعمد! وهو اعتراف جريء يكشف عن بعض أسباب الانحراف الذي مارسته الجماعات المتطرفة باسم الإسلام زوراً وبهتاناً.

ما سبق من أفكار تكون مفردات الإطار المرجعي لجماعة «الجهاد»، ولكن أخطر ما في الوثيقة هو عرضها لنظرية متكاملة في التكفير. وفي تقديرنا أن هذه النظرية هي الأساس الذي اعتمدت عليه الجماعات الإرهابية المتطرفة في تكفير الحكام وتكفير المجتمعات الإسلامية لأنها لا تطبق الشريعة الإسلامية، وتكفير غير المسلمين، بل تكفير بعض المسلمين بشروط معينة.

ونظرية التكفير المتكاملة التي تعرضها الوثيقة لها مقدمات تبنى عليها نتائج خطيرة.

المقدمات تتمثل في ما يسجله قلم الدكتور فضل محرر الوثيقة في الصفحة الثانية من الوثيقة تحت بند: أولاً: «دين الإسلام».

يقول «والإسلام ملزم لجميع المكلفين من الإنس والجن من وقت بعثة النبي (ص) وإلى يوم القيامة».

وبالتالي فالبشر جميعهم منذ البعثة النبوية وإلى يوم القيامة هم «أمة الدعوة» (المدعوون لاعتناق دين الإسلام) فمن استجاب منهم لذلك فهم «أمة الإجابة».

وتسترسل الوثيقة فتقول «ومعنى إلزام دين الإسلام أن الله سبحانه لن يحاسب جميع خلقه المكلفين منذ بعثة النبي (ص) وإلى يوم القيامة إلا على أساس دين الإسلام». والنتيجة هي «فمن لم يعتنق دين الإسلام أو اعتنقه ثم خرج عن شريعته بناقض من نواقض الإسلام فهو هالك لا محالة، إن مات على ذلك».

واستند الدكتور فضل في هذا الحكم الخطير على آية قرآنية هي: «ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين». (آل عمران: 85).

وأيد كلامه باقتباس من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية «ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد (ص) فهو كافر».

وفي تقديري أنه ينبغي التحليل النقدي لهذا التأويل، لخطورته في مجال العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين، واعتبارهم جميعاً هالكين وكفاراً لأنهم لم يعتنقوا الإسلام.

وبعد ذلك تقدم الوثيقة نظرية متكاملة في الكفر مبنية على مقولة مبدئية هي أن «الإسلام يتحقق بتقديم مراد الرب على مراد النفس، فإنه ينقص أو ينتقص بمخالفة ذلك، والمخالفة درجات:

- فمن قدم مراد نفسه على مراد ربه في أشياء يسيرة فهذا مرتكب الصغائر (وهي العصيان).

- ومن قدم مراد نفسه على مراد ربه في أشياء كبيرة فهذا مرتكب الكبائر (وهو الفسوق).

- ومن قدم مراد نفسه على مراد نفسه في أشياء عظيمة فقد وقع في الكفر».

وفي تقديرنا أن هناك غموضاً في المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها النظرية وهي «الصغائر والكبائر» و «الأشياء العظيمة».

والواقع أن الذي يؤكد خطورة نظرية التكفير أن الوثيقة ترتب عليها نتائج مهمة في مواضع متعددة.

تقول الوثيقة في مجال المحظورات الشرعية: إن «تلقي أموال والاستعانة بأنظمة حكم في دول أخرى ليست بأفضل من بلدانهم لقتال أهل بلدهم بما أوقعهم في فخ العمالة وحروب الوكالة، فيبدأ شأنه مجاهداً ويصير عميلاً مرتزقاً...». وهذا في الواقع نقد ذاتي محمود.

غير أن الوثيقة تسترسل وتقول في مجال تعداد المحظورات الشرعية «اضطرار البعض إلى عمل لجوء سياسي لدى الدول الأجنبية (بلاد الكفار الأصليين) فيكون بذلك دخل تحت حكم الكفار وقوانينهم باختياره ...».

ومن الطريف أن الوثيقة تستهين بالدولة استهانة شديدة وتكاد لا تعترف بها. فهي في مجال التعامل مع الأجانب تقرر «تحريم الاعتداء عليهم» أن هؤلاء الأجانب قد يأتون إلى بلاد المسلمين بدعوة أو بعقد عمل من مسلم صاحب عمل أو صاحب شركة سياحة، وهذا أمان شرعي صحيح لا شك فيه، أما تأشيرة السلطات بعد ذلك فلا تغير شيئاً من حكم أمان المسلم لهم!

فكأن الوثيقة قضت على الدولة كمؤسسة بضربة واحدة، لأن المهم هو عقد الأمان الذي تبرمه لا الدولة ولكن أفراد مسلمون مع الأجانب! وما زالت الوثيقة تتبنى التقسيمات القديمة بين «دار الإسلام» و «دار الحرب» وكأنه لم يتغير شيء في العالم منذ قامت الدولة الإسلامية الأولى! والوثيقة مشغولة بهاجس الكفر والكفار إلى حد بعيد. وليتأمل القارئ فقرة من ضوابط التكفير في الشريعة من الوثيقة وتفريقها بين «الكافر الأصلي» و «الكافر الطارئ»، وبين «الكفر الأكبر» و «الكفر الأصغر».

وما زالت الوثيقة - للأسف الشديد - تعيش في الماضي، والدليل أنها قررت أن الشريعة لم تبح لأحد افراد الرعية معاقبة عامة الناس أو إقامة الحدود عليهم (وهذه بديهية لأنها من مهمات الدولة المعاصرة). غير أن الوثيقة - من باب الدقة العلمية - قررت أنه لا يستثنى من ذلك إلا إقامة المسلم الحدود على عبيده! ألم ينته عصر العبيد إلى غير رجعة؟ فلماذا الحديث في وثيقة صدرت عام 2007 عن حق المسلم في إقامة الحدود على عبيده، وإن كان مشكوكاً في السند الذي استندت إليه الوثيقة في ذلك؟!

وأيا كان الأمر فيمكن القول إن ما سكتت عنه الوثيقة هو آلية التفكير التي أنتجت أفكارها وهي استخدام القياس الخاطئ، وأهم من ذلك التأويل المنحرف للنص الديني.

<

 

 

   الرئيسية  

أعلى الصفحة

 

الشخصية السورية الوطنية

 

لجنة إدارة الخارج

أحزاب سورية

منتدى الحداثة

اتصل بنا

صحافة و إعلام

حقوق الإنسان