|
*افكار
حول المصالحة الوطنية وبعض وجوه ازمة المعارضة السورية
... في
حوار مع
فراس قصاص رئيس مجلس الإدارة السياسي لحزب الحداثة و الديمقراطية
لسورية مع مؤسسة ثروة
http://syrianelector.com/index.php?option=com_content&task=view&id=615&Itemid=110
حوار مع السيد فراس قصاص رئيس حزب الحداثة أحد أحزاب قوى إعلان
دمشق
خاص ثروة
1- يصادف هذا الشهر
ذكرى
مذبحة حماه، وترافق هذا الحدث الأليم مع دعوة قوى إعلان دمشق
لبدء جمع الأدلة لمحاكمة كل من أجرم بحق سوريا وشعبها ... إلى أي
مدى تتوقعون إحقاق العدالة وتقديم هذه الشخصيات المجرمة بسرعة
إلى القضاء النزيه دون مماطلة وتسويف؟
لا شك أن مجزرة حماه وصمة عار في تاريخ سورية الحديثة، مثلها مثل
كل المجازر الأخرى في جسر الشغور وحلب واللاذقية ومدرسة
المدفعية، كلها وصمات عار على مرتكبيها ومنفذيها تحت أي ذريعة
ووفقا لأي مبرر. دعني اسجل إدانتي لمجزرة حماه ولكل متورط كبير
أو صغير فيها، قبل أن أمعن التفكير والتساؤل معك، واسمح لي أن
افكر بعقل أكثر، أقصد أن اتخلى عن البعد العاطفي الذي له أثره
الكبير في صناعة الرأي السياسي لدينا، لذلك علينا أن نتخلى عن
التحليل والتفكير في هذه الموضوع من خلال الجرح إذا أردنا أن
لا نتخذ مواقف أو ردات فعل عاطفية. هذه المواقف، وإن عالجت
هذا الجرح في الشخصية السورية إلا أنها قد تحدث جروحا عديدة
ودورات عنف جديدة غير منتهية.
سأعود للحديث عن مجزرة حماه بالقول إن الحديث عنها يعيدني بشكل
قسري إلى الحديث عن مرحلة الأحداث التي عاشتها سوريا بين عامي
1979 و 1982، هذه المرحلة التي كانت بلا شك من أحلك وأصعب
المراحل التي عاشتها سوريا في تاريخها الحديث. إنها المرحلة التي
لا تزال آثارها المدمرة ماثلة في وجدان السوريين حتى أيامنا هذه،
سيما وأن الخوف من الاهتمام بالشأن العام و المشاركة الفاعلة في
قضاياه تعود جذوره إلى تداعيات ونتائج هذه المرحلة وما تجرعته
البلاد أثناءها من قمع وقسر ومجازر، هذا العنف الذي شاع آنذاك
بشكل منفلت من كل عقال، استطاع أن يودي بالأوضاع التي يمكن أن
تتيح تطورا طبيعيا في سورية، وقد لا يخفى عليك وعلى غالبية
السوريين أن هذا العنف قد بدر عن مصدرين، أولهما فئة من جماعة
الإخوان المسلمين، كان عنفا ذا طبيعة طائفية إلى حد بعيد، و إن
كان تطورا ناشئا عن الاستئثار بالسلطة والذهاب في الحال السورية
إلى المزيد من الاستقطاب الطائفي عبر توزيع غير ديمقراطي يستند
إلى أصل غير مدني في المجتمع لمواقع القوة و التوازن فيه، في
شارعيه السياسي والعسكري، وثانيهما عنف عام وشامل كان أكثر وطأة
وجرما على الشخصية السورية. لقد أحدث هذا العنف الأخير وأشرف
عليه طرف السلطة المستبدة ، واستثمر نتائجه أفضل استثمار فيما
بعد، طبعا لمصلحة الاستبداد وليس لمصلحة البلاد. بالتأكيد لم يكن
عنف السلطة عنفا قانونيا مشروعا مميزا لها كسلطة بوصفها طرفا
وحيدا يحق له استخدام العنف، بل كان خصاء وتعقيما للوجود السوري،
قمعا شاملا وحرب إبادة ضد الإنسانية في سورية.
بالعودة إلى سؤالك عن إمكانية إحقاق العدالة ومعاقبة كل من
أجرم بحق سوريا وشعبها وتقديمهم إلى القضاء. أقول، دعنا أولا
نتأمل سوية بما تعنيه العدالة في جوهرها وما هو أهم متطلباتها،
علنا نجد زاوية جديدة، نصل من خلالها إلى فهم مفيد وممكن التطبيق
لمصلحة سوريا ولمصلحة التغيير الديمقراطي فيها. ألا تتفق معي في
أن القانون في المجتمعات إنما هو تعبير عن اتفاق وعقد بينها
على تنظيم حياتها وصناعة أمنها وسلمها وسلامها الداخلي، وأن
إقرار أي عقاب يتلو جريمة إنما يتوخى في المقام الأول معالجة
الأثر الذي تخلفه على أمن المجتمع وحصر تداعياتها في أضيق
الحدود، رغبة في أن يسهم ذلك أخيرا في الحد من العنف.
العدالة ليست فقط إعادة الحق للمتضرر بإلحاق الأذى الذي يحمله
العقاب بالمجرم، وعلى أهمية هذا الجانب من مقاصد العدالة و
تحقيقها، وإلا لو كان كذلك لتطابق مفهوم الثأر ومفهوم العدالة
ولم يتمايزا إلى الحد الذي يضعهما البعض في تناقض. والسؤال
الكبير الذي يجب أن نسأله في حالتنا السورية، هل ستحقق محاكمة
المتهمين ومعاقبتهم، منهم السيد رفعت الأسد، أو على رأسهم كما
يقول البعض (حتى لو توفرت الإمكانية السياسية والأرضية
القانونية لذلك)، ما تذهب إليه العدالة في جوهرها، وهو الحد من
كمون العنف وإمكانية انفلاته فيما بعد في مستقبل سورية وسنينها
القادمة، وذلك مع الوعي بجسامة الألم والقمع الذي ألحق
بالمتضررين الكثر من حرب العنف والقمع إبان مرحلة الأحداث في
سورية؟ أم أن هذه المحاكمات سترسخ مشاعر الإقصاء والكراهية بين
السوريين و تزيد من غيتواتهم النفسية وتعمق من تناقضاتهم وترسخ
الشرخ بينهم؟ فللأسف الشديد، ما تعده فئة من المجتمع عدالة قد
تعده أخرى ثأرا، كيف لا وسوريا مجتمع طوائف، والخلاف العميق بين
هذه الطوائف حول تحديد المعنى الديني وصور الحق والخير والحقيقة
لا يقف عند حدود التعيينات الدينية المباشرة، بل يتعداه إلى
قضايا السياسة والمجتمع إلى الحياة والناس والأحداث والمصالح
والأشخاص. لذلك فما تجده هذه الطائفة في شخص أو طرف ما تجد
طائفة أخرى ما يناقضه في ذات الشخص أو ذات الطرف، البطل الرمز
محل الثقة لدى الأولى، مجرم لدى الأخرى، أولم يكن موقف الشيعة
والسنة في العراق عند محاكمة أركان النظام العراقي السابق، يصب
في هذا المنحى؟ أوليس الحال اللبناني وأمراء الحرب والمجازر
والسياسة فيه، كان ولا يزال يتغير تعريفهم وتصنيفهم بتغير
الزاوية الطائفية، البطل الحكيم لدى تلك الفئة، على سبيل المثال،
مجرم و خائن لدى الأخرى؟
إن أزمة بنيوية في المجتمع السوري من هذا القبيل تتطلب مقاربة
وحلولا غير عادية، حلولا يمكنها أن تفسح الأفق لتعايش مستقبلي
بين السوريين، وتمنع الشعور بالغبن المستقبلي أو الاستهداف
والهزيمة لدى أي طائفة سورية عند حصول التغيير. إنها الحلول
التي يمكنها أن تقنع من يحاول أن يستثمر النظام في قلقهم
وخوفهم من أنهم لن يكونوا مستهدفين بالتغيير الديمقراطي الذي
يعني في أهم ما يعنيه الاعتراف بالآخر والرغبة في العيش المشترك
مقدمة لبناء مجتمع عصري مدني حديث بولاءات جديدة واصطفافات وفق
محاور جديدة، محاور الوطن الإنسان والبرنامج السياسي.
بالتأكيد الحلول التي أقصدها تتلخص في المصالحة والحوار من قبل
الجميع ومع الجميع في سورية، ورغم الصعوبة المتمثلة في أن
تتعالى الأطراف المتضررة الكثيرة من المجتمع السوري على
جرحها وأن تسقط حقها أمام من أمعن في ظلمها وضرب روحها، إلا
أن النظر إلى المستقبل وحده بعد حل تناقض الماضي بالحوار حوله
واعتراف كل بخطئه (إن أمكن ذلك)، هو الأفق الوحيد الذي يمكن
السوريين من تفادي السيناريوهات الأسوأ، وكسر دورة العنف والعنف
المضاد الحاصلين إثر تداول مواقع القوة والقمع والقدرة على
ممارستها العارية على الآخر، عبر التاريخ بين مختلف الطوائف في
سورية. من هذا المنظور يصبح الحديث عن محاكمات - من وجهة نظرنا -
حديثا غير مفيد في تحسين شروط التغيير الديمقراطي وإمكاناته في
سورية، حديث يقوي الأسس التي ترسخ الشرخ بين التكوينات السورية
المختلفة، كما أسلفت الذهاب باتجاه المصالحة سوف يحرم النظام
السياسي المستبد من أهم استناداته الاجتماعية، وسيفتح الباب
أمام هذه الشرائح للدخول في عملية التغيير الديمقراطي الذي
سيقنع الجميع أنه لا يستهدف أي تركيبة سورية بعينها، بل هو مصلحة
الجميع وبمشاركة الجميع.
يتطلب ذلك برأينا، وبشكل مباشر، أن تتم المصالحة بين جماعة
الإخوان المسلمين وبين السيد رفعت الأسد، وكذلك مصالحة المعارضة
السورية جميعها مع بعضها ومعه. هذه المصالحة التي ستشكل مصدرا
استثنائيا للقلق لدى السلطة السورية، ومصدرا للثقة لدى الطائفة
التي يحاول أن يكرس الشرخ في علاقتها مع سواها في سورية؛ ففي هذا
ما يغير، ولو جزئيا، المشهد السوري لمصلحة المعارضة، ويجبر
النظام على تقديم تنازلات على حساب استبداده لمصلحة المجتمع
والحريات فيه.
2
-
يقول البعض، إننا كشعب سوري عشعش الخوف في داخلنا. فلا غلاء
السلع يحركنا، ولا حملات الاعتقالات توقظنا، ولا فساد السلطة
يثير غضبنا.....؛ إلمَ متى ستبقى حالة الجمود هذه؟ فلا المعارضة
قادرة على حقن الأوكسجين في الجسد السوري، ولا بطون "حُماة
الجولان" تشبع من النهب؟
ما يتفق عليه الكثيرون من أن مراجعة مرحلة الأحداث، التفكير
حولها ومعالجة تداعياتها وآثارها هي المهمة الأصعب والتحدي الأهم
الذي يسبق إعادة تأهيل المجتمع السوري من خوفه الذي يمنعه من
المشاركة في إدارة شؤونه وانتزاع حقه في ذلك من مستبديه، بل
ومقدمة لإضفاء بعد اجتماعي حديث على تجمعاته ووجوده غير المدني.
وجهة النظر هذه، يجدها حزب الحداثة والديمقراطية صحيحة وصائبة
تماما، خصوصا وأن جذور الخوف الحاصل فعلا في المجتمع، والذي
تساءلت عنه في سؤالك وردود الفعل الغائبة، أو قل الموغلة في
السكون والصمت حول أي شأن عام، إنما تعود إلى تلك الفترة
بأمثلتها وتداعياتها.
لكنك تعرف، ولا بد أن عقبات تحقيق هذه المراجعة وذلك التأهيل هي
بالدرجة الأولى من صنع السلطة المستبدة وأجهزتها الأمنية
المنتشرة على نطاق واسع في سورية. ليس ذلك فقط، بل إنها لا تتورع
عن استخدام كل الوسائل القمعية بغية احتفاظها على قدرة الضبط
الشديد لكل ما هو عام وسياسي خارج عرف استبدادها طبعا. السلطة
السورية هي الطرف الاجتماعي الذي يخشى أكثر من أي شيء آخر، حتى
مجرد الاهتمام بما هو عام؛ لأن ذلك قد يمهد لتكوّن اجتماعي ما،
ذا حركة وإرادة لا تصب في خانة الاستبداد. السلطة، لهذه الأسباب
تمنع النقاش العام، حتى حول القضايا المعيشية وغير المعنية
بموضوع السلطة السياسية أو قضية الحريات والديمقراطية واحترام
حقوق الإنسان. إنها تحصر نسخا مشوهة ومختزلة من هذا النقاش
العام في دائرة سياساتها الهادفة إلى اختراق الرأي العام
السوري، تعليبه وتشويهه، والذي يحدث في أحسن الأحوال أن
قنواتها التي تتخذها من أجل طرح القضايا التي لا تمس جوهر مأساة
السوري تصبح منافذ تفريغ للضغط مدروسة ومعطلة، تمنع الاحتقان
الفعال والخطر على الاستبداد.
إذن، ما الذي تستطيع تحقيقه الآن قوى الحراك السياسي والاجتماعي
والثقافي في سورية على ضعفها؟ هذا سؤال ضروري ومستحق في سياق
إجابتي على سؤالك الأصلي. أعتقد أنه لا بد من مقاربة جديدة
وأدوات ووسائل للعمل غير تلك السائدة الآن. أقصد وسائل حركة
جديدة، تأخذ بعين الاعتبار أن الجسد الاجتماعي السوري بات معوقا
ومشلولا، منذ أحداث 1979- 1982، ويحتاج إلى تأهيل ومعالجة
اجتماعية نفسية تطبق بإلحاح منظم ومدروس على فترات زمنية قد
تطول، حتى يتخلص المجتمع من هذه الحالة التي تحدثت عنها في
سؤالك. بالطبع هذه المعالجة التي أشرت إليها هي من أهم وظائف
المعارضة السورية، ويحب أن تكون على رأس أولوياتها، الأمر الذي
يتطلب توافر إمكانات وأسس مادية لديها هي الآن لا تمتلكها، هذه
الأسس هي التي ستسمح لها بحيازة أدوات تمكنها من تجاوز عقبات
وتعويق المستبد، وتفيد في تحقيق حالة الاختراق المطلوبة في حالة
المجتمع السوري وعلاقته مع الحقل العام وإدارة شؤون البلاد. من
وجهة نظري، هذه الحيازة هي نقطة البداية في تغيير المشهد السوري
لمصلحة تمثيل أوسع للمعارضة في الشارع، ودونها يبقى غياب
المعارضة السورية عن الشارع مترافقا دوما مع تغييب الشارع عن
السياسة والشأن العام.
3
-
طرح السيد مراد أغا رئيس حزب السلام مشروع تشكيل حكومة منفى
لتسلم السلطة بعد سقوط النظام، ولتشجيع الشعب السوري أن البديل
الرسمي قد أصبح جاهزا ولا داعي للخوف من انجرار البلد إلى حالة
من الفوضى بعد السقوط.... إلى أي حد تؤيدون هذا المشروع، وماذا
تقترحون في هذا المجال؟
ألا تتفق معي أن الحديث عن بديل للنظام السوري يشي بأننا نبدو
وكأننا تخطينا مرحلة إسقاطه أو بات على الأقل موضوع رحيله مسلما
وممكنا، وأننا بتنا نبحث في مرحلة ما بعد هذا النظام ونتخوف من
حدوث الفوضى ونسعى لتلافي هذا الحدوث؟ وجهة نظري أن البحث عن هذا
البديل الآن يفترض ضمنا الموافقة على التغيير من الخارج وبوسائل
عنفية في ظل انعدام فرص التغيير الداخلي لأسباب عديدة لا مجال
الآن لذكرها. أود أن أقول نحن في حزب الحداثة كنا ولا زلنا نرفض
هذا التغيير، أقصد التغيير العنيف والتغيير بأدوات خارجية.
ومع ذلك ساتعامل مع سؤالك وساتجاهل هذه الملاحظة، لأفكر حوله من
منظور آخر، ولأقول لك من خلال ذلك المنظور، نعم فكرة تشكيل حكومة
منفى فكرة تداولتها بعض الجهات المعارضة منذ مدة، ولا يزال
يرددها البعض بين الفينة والأخرى في إطار البحث عن البديل
الرسمي للنظام السوري، والتفكير في حل أزمة غيابه. برأيي، وبرأي
حزب الحداثة والديمقراطية، قد يكون هناك بالفعل أزمة بديل، ولكن
إذا كانت هناك أزمة، فهل يمكن حل هذه الأزمة من خلال حكومة منفى
تشكلها قوى المعارضة مجتمعة، ودون أن أدخل في آلية تشكيل هذه
الحكومة أو في إمكانية أن تستند إلى شرعية ما، خصوصا أن عدم
شرعية السلطة ديمقراطيا لا تعني شرعية هذه الحكومة البديلة.
أقول، إننا في حزب الحداثة ننظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة
تماما، إننا نرى أن البديل الواجب أن نبحث عنه ونحققه ليست حكومة
مؤلفة من أشخاص التي يعتقد البعض أنه وبمجرد تشكيلها تنتهي
المشكلة ويحدث الانتقال إلى الوضع الجديد بشكل آمن وديمقراطي.
البديل الذي نتحدث عنه نحن يمثله توافر بيئة سياسية وحالة
مجتمعية عامة في سورية تسمح لهذا الانتقال الآمن إلى الديمقراطية
أن يتم. من وجهة نظرنا، هذه الحالة وتلك البيئة غير متاحتين
الآن في بلدنا، بل ربما كل المتاح يصب في المنحى المعاكس تماما.
لقد عمل الاستبداد السياسي على مدى عقود على اختزال الدولة
ومؤسساتها بمؤسسات وأجهزة السلطة. لقد أعاد الاستبداد تشكيل بنية
الدولة لتكون على قد السلطة الاجتماعي العرقي والديني، أو وفق ما
يخدم هذا القد. لقد تم ذلك بتزامن مع زيادة مقصودة في تمركز هذه
السلطة حول شخص الرئيس الأسد الأب أولا ثم مجموعة لا تتجاوز
عددها أصابع اليد الواحدة من عائلته، على رأسهم بالطبع الرئيس
بشار الأسد. لقد تشوهت بنية الدولة المادية إلى حد كبير (حكومة،
برلمان، جيش... إلخ)، وتجذرت ثم انتعشت أكثر فأكثر التناقضات
الأكثر تأسيسية مع فكرة الدولة الحديثة لدى المجتمع السوري
وتشكيلاته العرقية والدينية. انظر فقط إلى شبكة الولاءات
المنتشرة بين فئات المجتمع السوري واصطفافاتها المختلفة التي لا
تخدم أبدا فكرة دولة المواطنة الحديثة التي تتطلع إليها المعارضة
السورية وتتحدث عنها في خطاباتها السياسية.
إذن، لسان حال الواقع السوري يقول إن السلطة المستبدة في سورية
نجحت في اختطاف الدولة وأخذها كلها رهينة، ونحن للأسف أمام مأزق
حقيقي يتضح في نقطتين: الأولى تتلخص في أن التعرض للسلطة بغية
إسقاطها (مع إهمال نظري لإمكانية إسقاط النظام) يحمل تهديدا
حقيقيا للدولة بوصفها رهينة، لأن أي محاولة لتغيير السلطة بشكل
فوري وعنفي ستؤدي إلى خلق بيئة وعناصر مهددة لبناء الدولة
برمتها. والثانية تقضي بأن استمرار السلطة على هذا المنوال
السياسي والاجتماعي والثقافي يعني استمرارا وتصعيدا لحالة الفشل
الشامل الذي يعانيه الواقع السوري ومفهوم الدولة الحديثة في
السورية.
بالتأكيد، هذا لا يعني أبدا ولا يتطلب التفرج والسكون أمام هذا
المشهد، ولا يعني الكف عن مناهضة ومعارضة الاستبداد والسلطة
المستبدة، إنما يتطلب منا هذا الواقع أن نراكم بهدوء ونعمل بحذر،
وعلى مستويات متعددة، منها بالطبع المستوى السياسي المعني بموضوع
السلطة مباشرة، وأن يكون عملنا على جميع هذه المستويات في منحى
معاكس لما تنشط السلطة المستبدة على ترسيخه في المجتمع والثقافة
والسياسة.
إن أهم هذه المستويات التي ينبغي العمل عليها برأيي، يكون من
خلال خلق مناخ ثقافي يعنى بتجذير قيم حرية الفرد والاعتراف
بالآخر والتسامح والحوار والتأسيس للقدرة على العيش المشترك،
مناخ يرفض الاستبداد، يفشله و يهزمه، لا بد أنك تعرف أنني قصدت
ضرورة اعتماد البعد التنويري في عمل قوى المعارضة السورية من
أجل خلق مثل هذا المناخ، فالجهد التنويري الذي قصدته سيسهم في
تغيير البناء المعرفي والتراكيب العقلية والنفسية للمجتمع
السوري. بالطبع معيقات السلطة للعمل على هذا المستوى ليست أقل من
مثيلاتها على المستوى السياسي المعني بموضوع السلطة والمعارضة
السياسية لها، لكن تجاوز معيقات السلطة هنا يبدو أمرا ممكنا أكثر
نظرا لطبيعة هذه المهمة وبعدها عن مباشرة السياسة بما تعنيه من
لعبة السلطة والصراع عليها، خصوصا حينما ننجح في إبداع أدوات
مناسبة لهذا العمل التنويري في واقعنا السوري، دون أن ننسى أن
مؤشر نجاح هذا العمل يحسب في فترات زمنية طويلة نسبيا.
4 - ما هي معوقات عقد مؤتمر وطني يجمع كل الطيف السياسي المعارض
في الخارج والعمل تحت مظلة واحدة للوصول إلى جبهة قوية يعتمد
الشعب السوري عليها في تحركه المستقبلي، ومتى ستتحرر هذه الأحزاب
من مطامعها الشخصية مقدمة حاجة سوريا وشعبها على حاجتها الخاصة؟
سؤالك هذا يستثير لدي الحاجة للحديث عن بعض وجوه الأزمة التي
تعانيها المعارضة السورية في الداخل والخارج والمسببة بالتأكيد
لتشظيها وزيادة تعبها. فمن وجهة نظري أن المعارضة السورية تحمل
تناقضات مجتمعها إلى حد بعيد وتعبر عنها في علاقاتها البينية،
يتجلى ذلك بوضوح في انقساماتها الحادة، وفي غياب الثقة فيما
بينها. إن أزمة العلاقة مع الآخر وربما إقصائه أو حتى تخوينه
وتكفيره تجدها أحيانا لدى المعارضة بين صفوفها بصورة قد لا تقل
حدة عما تجده سائدا في الواقع السوري؛ طبعا من الخطأ أن نتجاهل
دور مرجعيات معظم المعارضة السورية في جيلها المتقدم في السن -
وهم غالبية - التي لم تعرف الديمقراطية نظريا ولم تمارسها كما
تفهم وتوصف الآن في خطاباتها وأدبياتها السياسية، من الصعب لهذه
الفئات التي تشغل متن المعارضة السورية ونواتها، أن تنجح بنسبة
كافية، في تمثل مقولاتها الجديدة عن الديمقراطية والحوار
وقبولها أو اعترافها بالرأي الآخر رغم محاولتها الجادة في ذلك.
هناك شواهد وأحداث كثيرة كنا نحن في حزب الحداثة على التصاق
ببعضها تشهد على عدم نجاحها الكافي في تمثل خطاباتها السياسية
وممارستها، طبعا سيكون من المجحف جدا أن ننسى الآلية التي يعقد
قمع النظام موقف المعارضة السورية وكيف يؤزم تناقضاتها
الداخلية ويحول دون أن تتخطى عقبات ممانعاتها وعطالتها الذاتية،
بل إننا نفهم كيف يشوه قمعه لها، بالإضافة إلى تدميره لكل ما هو
سياسي وعام في المجتمع، علاقاتها مع الوافدين الجدد إلى المعارضة
من الأجيال اللاحقة على جيلها الأساسي الذي يشكل مادتها البشرية
الرئيسة حتى الآن كما أسلفت والذي تلقى القمع وعايشه.
أما المعارضة في الخارج موضوع سؤالك، فبالإضافة إلى ما سبق
والذي ينطبق على معظمها، هناك إضافات أخرى للمشكلة تزيدها قتامة،
فظاهرة طارئي المعارضة والمتطفلين عليها تميز سلبا عملها في
الخارج. المعارضون الطارئون الذين أقصدهم هم غير المعنيين بالهم
السوري، والذين لا ينتمون عضويا إلى سورية ومجتمعها إلى درجة
أنهم غير ملمين بأبسط تفاصيل الواقع السوري ومشكلاته وأزماته،
جاهلين بها إلى درجة الإسفاف، أما المتطفلين الذين أشرت إليهم
فهم أولئك الذين تصورا العمل في المعارضة السورية في الخارج
وكأنه مصدر للتعيش والرزق فقط ليس أكثر، وكل مبررات العمل الأخرى
تختفي وتتلاشى أمام هذا الهاجس لديهم، همهم أن يلاحقوا بعض
الامكانات المالية المتناثرة وأحيانا المتوهمة في أجواء المعارضة
خارج سورية، غير ملتزمين بأخلاقيات أولية في العمل السياسي،
كالأمانة والنزاهة الشخصية، ولا حتى الحدود الدنيا من الالتزام.
هذان النموذجان كلاهما، الطارئ والمتطفل، متحالفان موضوعيا مع
الاستبداد، إذ يخدم كل منهما دون قصد أجندة المستبد ويخرب دون
وعي أو مسؤولية أبنية المعارضة، الضعيفة أصلا، طبعا لن أدعوا
لاستئصالهم، أو إعلان الحرب عليهم، بل أدعوا إلى التنبه لهم فهم
على كل حال نتاج فرعي لأزمة الحرب على السياسة والإنسان التي
أعلنها المستبد في سورية على كل ما هو جاد وفاعل في البلاد
وامتداد لتخريب أخلاقيات المجتمع التي أرساها الفساد والإفقار،
وبات ملازما للبعض ممن استقروا في الخارج، هذا من جهة، من جهة
أخرى، البعض في الخارج من الجادين والمعارضين الفعليين للنظام
وبحكم إقامتهم خارج سورية يتوهون عن تفاصيل الاجتماع السياسي
السوري ويعيشون خارج اكراهاته وضغوطه، فتتبدل لديهم معايير
التقييم في النجاح والعمل والالتزام لمصلحة تلك السائدة في
مجتمعات الغربة والمنفى، يصبح السياسي المنفي السوري مهاجرا
ومواطنا جديدا في المجتمع، ويصبح هاجسه الأثقل عليه، كيف ينجح في
أن يرتقي مراتب أعلى في سلم التصنيفات السائد في تلك المجتمعات،
هذا في الوقت الذي يتطلب فيه العمل في الشأن السوري التصاقا أكثر
بسورية وبمعايير التصنيف والفقر والغنى والكفاية فيها. هذا
الوضع بالتأكيد سيؤثر في ظل غياب واقع مؤسساتي مادي وفعلي
وتغطية مالية تالية للعمل المعارض في الخارج على جدية العمل
السياسي وعلى إنتاجيته.
أخيرا، اعتقد أن ملامح أزمة المعارضة السورية كما صورتها على
عجلة وركزت بعض الشيء على إضافات الخارج في الأزمة، في محصلتها
هي المسئولة عن فشلها الحاصل إلى الآن في عدم إنجاز أي فعل مشترك
ملفت لها، كالمؤتمر الوطني الذي أشرت إليه في سؤالك.
5- هناك حساسية ملحوظة داخل صفوف قوى إعلان دمشق من شخص السيد
عبد الحليم خدام كونه كان أحد رموز النظام... فكيف تستطيع القوى
المعارضة اجتذاب أي شخص يريد الانعتاق من هذا النظام إذا كانت
تستقبل بالتهم....؟ وهنا لا ندافع عن السيد خدام ولكن السلطة
كلها فاسدة، ولا أحد يستطيع محاكمة كل شخصيات الدولة؟
لحساسية قوى إعلان دمشق من شخص السيد عبد الحليم خدام ما
يبررها. إن استمرار حضور شخصه ولو صوريا في مرحلة الرئيس بشار
الأسد وتصريحاته المتعلقة بالمعارضة خصوصا إبان ربيع دمشق، ثم
انشقاقه التالي لأجندة لا تتعلق بالهم الديمقراطي الداخلي،
والذي جاء كما تعرف على خلفية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني
السابق رفيق الحريري، كل ذلك زاد من واقع هذه الحساسية، ناهيك
أن وعي المعارضة في الداخل لضعف ما يمثله السيد خدام فعليا في
مراكز القوى داخل النظام أو في المجتمع قبل وبعد انشقاقه،
وبالتالي إدراكها لضعف الجدوى السياسية من التحالف معه، كل هذه
العوامل بالإضافة إلى ثقل فاتورة العلاقة السياسية معه داخل
سورية، لا سيما موقف النظام من ذلك، لعبت دورا في موقف قوى إعلان
دمشق من السيد خدام.
هذا بخصوص حساسية قوى إعلان دمشق من السيد خدام، أما بخصوص
سؤالك حول كون شكل استقبال المنشق عن السلطة، قبول التعامل معه
من عدمه سيؤثر بشكل كبير على إمكانية انشقاقات أخرى، أقول إن
وجهة نظري تتلخص في أن ما يجتذب أي شخص يريد الانعتاق من النظام
ليس الترحيب به أو عكس ذلك فقط، هذا تصور جد بسيط للموضوع، هناك
عوامل أخرى محددة (بكسر الحاء) أكثر في هذه الحالة، فوضع
الشخص من مراكز القوى الفعلية في النظام ودرجة القوة أو الضعف
التي تعيشها قوى النظام بالنسبة للمجتمع السوري طالما لا توجد
فرصة تغيير خارجية، هي العوامل الأهم في إحداث انشقاقات فاعلة.
إن الاختلال الحاد في مراكز القوى في المجتمع لمصلحة السلطة،
تفردها بامتلاك وسائل العنف والقدرة على صنع الرأي العام وضبطه
وفق مقولاتها، وتحكمها بالثروة وتوزعها واختراقها لفئات اجتماعية
عديدة وبنائها لشبكة مصالح معقدة مرتبطة بها، ثم و ضع المعارضة
السورية الضعيف للغاية وعدم حضورها الفعلي على أي من هذه الصعد
يجعل حدوث انشقاق مهم وفاعل في معادلة مراكز القوى في السلطة
أمرا مستبعدا جدا، إذ ما الفائدة مثلا من انشقاق محمد مصطفى ميرو(رئيس
وزراء سابق) أو عبد القادر قدورة (رئيس مجلس شعب سابق)
وانضمامهما إلى المعارضة السورية مثلا؟ برأيي الشخصي سيجلب
انضمام مثل هؤلاء إلى المعارضة مفعولا عكسيا وضررا ليس قليلا
عليها، نظرا لتدني شعبية هذين الرجلين وسوء صورتهما في الشارع
السوري أولا، وعدم تمثيلهما لأي من مراكز القوى الفعلية في
النظام السوري، الأمر الذي يؤدي إلى اضطراب حقيقي في هذه المراكز
إثر انشقاقهما ثانيا .
أخيرا، وكما أسلفت لك في إجابة سابقة، تبقى المصالحة الوطنية
والنظر إلى المستقبل وتوحيد جهود جميع المعارضين وخلق مصلحة
فعلية لجميع التكوينات السورية في هذا التغيير هي المقدمات التي
تقوي فرص التغيير الديمقراطي وتعدل من خلل معادلة القوة
الاجتماعية في مواجهة النظام السوري، وبالتالي الحديث عن
محاكمات بصدد السيد خدام أو سواه حديث في غير هذا الاتجاه
الصحيح من وجهة نظرنا.
6
-
ما هي تصوراتكم للقضية الكردية في ظل حديث البعض عن الفيدرالية
تارة وعن الانفصال تارة أخرى؟
نحن نعيد تصورنا لحل القضية الكردية إلى مقاربة أكثر جذرية في
خطابنا السياسي، أقصد بالطبع موضوع هوية سورية. نحن أردنا تخليص
الهوية السورية مما لحقها من تغول أيديولوجي، أردنا إعادتها حيث
هي سؤال تأسيسي في المقام الأول، سؤال، السوريين هم المعنيون
أولا بالإجابة عليه دون تجاهل رأي العالم من حولهم، إذا كيف يرى
السوريون أنفسهم وذواتهم؟ كيف يحددون شخصيتهم؟ أيضا كيف يحددهم
العالم من حولهم؟ ذلك التحديد وتلك الإجابة المركبة هي التي
تعرف هوية السوريين من وجهة نظرنا، إذ أن تعريفنا لأنفسنا مرتبط
دوما بتعريف الآخرين لنا، فالوجود (وجودنا أيضا) محصلة لصيرورة
العلاقة بين الذات والموضوع. إننا إذن نرى الهوية السورية محصلة
لصيرورة العلاقة والتفاعل بين تعريف (الذات) السورية لذاتها وبين
تعريف العالم (الموضوع) لسوريا والسوريين، بلغة أخرى هي محصلة
عيانية وفق رؤيتين ومصدرين، سوري ذاتي وخارجي عالمي موضوعي،
شأنها شأن هوية أي وطن آخر في العالم، على أن المشكلة التي
تواجهنا في صوغ الهوية والتي تشكل بحق أزمة الهوية في سورية، هي
أن سوريتنا محصلة إجابة خارجية عن هويتنا، وعروبتنا أو كرديتنا
أو اشرويتنا وكذا انتماءاتنا الدينية هي محصلات إجابتنا الذاتية،
هناك إذا تناقض وعدم انسجام بين الإجابتين، فكل إجابة ذاتية من
تلك الإجابات تتناقض مع سوريتنا التي تقررت واقعا يقره العالم،
فما الحلول إذا لحل هذا التناقض؟ هل يكمن الحل في الحرب على
الواقع، الذي قد تنشأ عنه تداعيات كارثية ويتطلب ربما تدخل
إرادات دولية غير بريئة أو متجردة؟ وجهة نظرنا في الهوية السورية
أنها محصلة تكامل بين تلك الإجابتين التعريفيتين للسوريين
وهويتهم وليست محصلة تفاضل بينهما.
إن عملية التنوير التي يتطلبها الحال السوري ستساعد في إعادة
موضعة الأولويات السياسية بما يحقق أنسنة للهدف السياسي وتقدمه
على سواه، الأمر الذي يمكن أن يسهم بدروه في تحقيق هذا التكامل،
ومن ثم صوغ هوية حيوية منسجمة مع الواقع ومتقدمة على طريق تكون
الدولة الأمة، الغنية في تعدد أصولها وثقافاتها، فالهوية السورية
كأي هوية من وجهة نظرنا مفهوم حي ومتحرك بحركة الحياة والتاريخ،
هي في صوغ مستمر ودائم. أما إذا أردتني أن احدد الهوية السورية
أكثر لجهة تصورنا لحل القضية الكردية، أقول إنني أراها متعددة
الأبعاد، وقسر الهوية السورية على بعد ومركب وحيد كما هو حاصل
الآن وهو البعد العربي يعتبر احتكارا وتشويها للهوية السورية،
بالتالي الاعتراف الدستوري بسورية متعددة عربية وكردية وآشورية
وسريانية...إلخ، وبلغات وطنية بالإضافة إلى اللغة العربية،
الكردية والآشورية والسريانية..إلخ، أمر لا بد منه، وهذا سيتطلب
بالتأكيد إجراءات كثيرة مرتبطة وناشئة عن هذا الاعتراف، يتم من
خلالها إزالة جميع أشكال التمييز الحاصلة بحق الكرد وبقية
التكوينات السورية الأخرى. وجهة نظرنا هذه في الهوية السورية
تقرر أيضا أن سورية بتعدد تكويناتها الواقع فعلا لن تكون
مقطوعة عن امتداداتها الحيوية لدى العرب والكرد والآشوريين
وسواهم في المنطقة، وإنما ستكون حينها مركزا للتفاعل الأكثر
ايجابية في المنطقة.
أخيرا، اتمنى أن أكون قد أجبتك بشكل واف على أسئلتك، ويسعدني أن
يثير تعاملي معها المزيد من الحوار حولها، مؤكدا أننا في حزب
الحداثة والديمقراطية مدركون أن للآخرين الحق الكامل في تصوراتهم
وقراءاتهم وتشخيصاتهم أيا كان اختلافها أو ربما تناقضها مع تلك
التي لدينا. إننا نجهد دوما في أن نبقى مفتوحي القلب والعقل
خوفا من نقع في فخ الانغلاق والجمود والدوغمائية.
|