المؤتمر التأسيسي 

مقدمة 

الحزب

أفكار و مواقف

الملف الحزبي

بيانات

 

   سؤال الديموقراطية ليس دينياً لنجد جوابه في الإسلام

 

كولين بهنا - نصر حامد ابوزيد

على هامش زيارته إلى مدينة حلب السورية للمشاركة في الندوة الدولية حول عبد الرحمن الكواكبي، أحد رواد الفكر النهضوي التنويري في القرن العشرين، نظم المعهد الفرنسي للدراسات العربية في دمشق للمفكر العربي د. نصر حامد أبو زيد لقاءً خاصاً جمعه مع بعض المثقفين السوريين، أشاد فيه بداية بندوة الكواكبي وجهود المعهد الفرنسي في هذا الإطار، معتبراً أنها تمثل "نقطة بارزة في تاريخ الأنشطة الأكاديمية"، و"ربما كان يمكن أن تمثل بداية ثورة فكرية، لو كنا نعيش في مناخ ديموقراطي حقيقي". واعتبر أبو زيد أن مشاركته في هذه الندوة تمثل نقطة تحوُّل بالنسبة للسنوات الماضية في حياته لأنها، كما أوضح، أول ملتقى أكاديمي عربي أوروبي يُعقَد في بلد عربي ويكون مساهماً فيه.

 

 

لقاء غني بأفكاره، أثيرت فيه العديد من الاستفسارات والقضايا الحيوية... نلخص هنا أهم ما جاء فيه من أفكار وأسئلة، انطلقت من تيارات فكرية مختلفة اجتمعت معاً من أجل الحوار.

 

 

في ردِّه على سؤال حول الإسلام والديموقراطية، وهل يمكن أن تتأسس الديموقراطية مع الثقافة الإسلامية، أوضح أبو زيد أنه قد آن الأوان لاختراق الخطأ الكامن في مثل هذه الأسئلة. فليس سؤال الديموقراطية والحرية سؤالاً دينياً حتى نبحث عن إجابة له في الإسلام. هناك معوِّقات للديموقراطية، اجتماعية وسياسية؛ وهذه المعوقات تعتمد أساساً على بنية ديكتاتورية، بل وبنية طائفية للأنظمة السياسية: "هناك مشكلات في الثقافة، هناك مشكلات في الوعي إزاء الديموقراطية والحرية، ولا نستطيع أن نضع المسؤولية في عنق فريق. وأنا ضد أن نعتبر أن الإسلاميين هم وحدهم المضادُّون للديموقراطية. أيضاً هناك فريق واسع من غير الإسلاميين، إذا وصلوا إلى الحكم، سيكون أول بند لديهم هو إلغاء الديموقراطية. ويجب أن نكون أمناء جداً في هذه المسألة."

 

 

وتابع مؤكداً أن علينا مناقشة الديموقراطية بعيداً عن مشكلة الدين، لأنه "حين تثار مشكلة الدين يمكن أن تثار مشكلة الحرية، وهل الإسلام ضد الحرية؟... ولا أظن أن هناك من يقول إن الإسلام ضد الحرية. ربما يقول إن الإسلام يضمن الحرية، لكن بشروط". في هذه الحالة علينا أن نناقش الشروط؛ وهنا ندخل في مناقشات حول الدين وحول الثقافة، وهل هذه الشروط تنتمي إلى مجال الدين، أم تنتمي إلى مجال الثقافة، أم تنتمي إلى مجال الفكر، إلخ.

 

 

تأميم الأفكار
أبو زيد أكد أن هناك تجارب تحققت في بعض البلدان العربية نمت في ظل النمو القومي والوطني، مستشهداً بتجربة وطنه الأم مصر الذي بدأت فيه المؤسَّسة الديموقراطية مبكرة، ووصلت إلى ذروتها مع أول دستور مصري سنة 1923، ثم أخفقت لأسباب، حتى قيام الثورة التي، على الرغم من كل نواياها الحسنة، "أمَّمت كل شيء؛ ومن ضمن هذا التأميم كان تأميم الأفكار". وهنا بالضبط تبدأ مشكلة أن "النوايا الحسنة لا تصنع تقدماً"، وإنما مشاركة الشعوب هي التي تصنع هذا التقدم. وأضاف أن الحوار حول الديموقراطية وأسباب الفشل في تحقيقها يعني مشروعاً يتطلبه "النقاش العام"، مشدداً على أن هذا النقاش العام هو "المقدمة الأولى"، والخروج من نفق البحث عن إجابات في الدين وحده.

 

 

في ردِّه حول إن كان المجتمع العربي، بغالبيته المسلمة، وتجربته التاريخية، وآفاقه المستقبلية، جاهزاً ومهيأ بكوامنه للانتقال نحو أنساق حضارية تتجاوز الوضع السائد، أكد أبو زيد التنوع في المجتمعات العربية (أقباط مصر، ونصارى الشام ولبنان)، مضيفاً أن المسلمين لا يمثلون ثقافة أو طبقة واحدة، إنما ثقافات وطبقات. والشكل الوحيد لإدارة مجتمع صحيح هو، كما يسميه، "تنظيم اختلاف وليس إلغاء اختلاف"، عبر أداة الديموقراطية الوحيدة القادرة على تنظيم هذا الاختلاف. ولكي تحكم مجتمعاً بالشريعة لا بدَّ من تحويل هذه الشريعة إلى قوانين مشتقة منها، يرتضيها المجتمع، وتوضع في صيغ قانونية يمكن التعامل معها وفقاً لمحاكم مدنية يقوم عليها قضاة يستطيعون التعامل مع هذه القوانين. بعضهم يفهم الديموقراطية أنها خروج عن الشريعة، وخروج عن قيم وقواعد الإسلام. لكن تجربة إيران الحديثة تؤكد إمكانية أن يكون هناك مجتمع ديموقراطي ومجتمع محكوم بقوانين وقواعد الشريعة. مما يؤكد أنه لا تناقض أساسياً بين الإسلام كدين، والإسلام كثقافة، وبين الديموقراطية. التناقض هو بين الديموقراطية وثقافات كثيرة جداً جداً تُطرَح في المجتمعات العربية باسم الدين، أو باعتبار أنها دين.

 

 

في معرض ردِّه على إحدى مداخلات الحضور التي شددت على أن القضية ليست قضية نصوص (العقائد) وليست فيها، إنما هي قضية إصلاح المؤسسة الدينية الرائجة، أكد أبو زيد مجدداً وحدة الخطابين السياسي والديني، باعتبارهما، في النهاية، خطاباً واحداً. فعلى مستوى بنية الخطاب هو نفس الخطاب: الاستئثار بالسلطة! والمعركة الحقيقية هي الحرب ضد الديكتاتورية الدينية والديكتاتورية السياسية، والعمل على فك هذا الزواج الكاثوليكي بين السلطة والسياسة على جميع المستويات والأصعدة، ليس عبر فكرة رائدة لمفكر ما أو كتاب أو غيره فحسب، إنما عبر هذه مجتمعة؛ عبر السعي إلى النقاش العام مجدداً واختراق الصمت بمحاولة طرح هذا النقاش العام، وتربية الاستماع إلى الرأي الآخر، مع أهمية الوعي بالذات في علاقتها مع الآخر وقبوله على كل المستويات، وضرورة أن ينظر كل منا، كمجتمع وكأفراد، إلى نفسه في المرآة، ويبتدئ أولاً مع نفسه، لأننا "ديكتاتوريون بالميلاد"... إن تغير الحكومات لا يعني أن المجتمع يتغير بتغيرها. المؤسَّسات تصنعها الحكومات. وقد آن الأوان للمجتمع أن يصنع المؤسَّسات؛ وهذا يتوقف على قوة المجتمع المدني. لكن كل هذا لا يعني التوقف عن مناقشة المعوقات الثقافية التي تبدو ذات ملامح دينية أيضاً. ويتوقف هذا الأمر على النجاح في الفصل بين ما هو سياسي وبين ما هو ديني، أي إعادة الدين إلى نطاق سلطته الحقيقية، وعلاقة الفرد بربِّه، وعلاقة الفرد بالمجتمع، أو الدين كقيمة دينية، لا كقيمة سياسية. وهذا هو الشرط الجوهري. كذلك أن يتحرر العقل من سلطة النصوص الدينية، لأن سلطة النصوص الدينية هي سلطة "معطاة" للنصوص الدينية؛ أي أن النص لا يمارس سلطته بذاته، وإنما يمارس سلطته من خلال المؤسَّسات التي تقيم من النص سلطة. وحين يقال "التحرر من سلطة النصوص" لا يُقصَد التحرر من الدين، وإنما التحرر من سلطة النصوص التي صنعتها مؤسَّسات وأفكار وعقائد. وهذا الكلام، للأسف، لا يدرَّس في جامعاتنا ولا يمكن تدريسه. عندنا الكفر عقاب. وعلينا أن نقاوم، وأن ندفع بالنقاش كي لا يكون "التكفير" نهاية للحوار، لا بداية له.

 

 

يدرك أبو زيد أهمية نقد الديموقراطية وإدراك بعض جوانب القصور في التجربة الديموقراطية، لأن الديموقراطية هي التي أتت مثلاً بهتلر، وهي التي أتت أيضاً بشارون. ولا أحد يقول إن الديموقراطية هي الحل السحري الذي سيحل كل مشكلاتنا. مهمة المفكرين السياسيين هي أن يناقشوا هذه القضايا؛ لكن ستظل مناقشتها، في غيابها في مجتمعاتنا، مناقشة لما يحدث خارج مجتمعاتنا؛ أو بمعنى أوضح، أن نكف عن مناقشة الديموقراطية تجريدياً. إن العالم والإنسانية لم يصلا إلى حل آخر بعد، "ونحن نريد أن ندخل في مشاركة، في عملية البحث عن بديل من خلال المتاح، أياً كان شكل المتاح". وليس من الضروري أن تكون ديموقراطيتنا نسخة من هذه الديموقراطية أو تلك. "لتُبذَر البذور أولاً، وبعد ذلك نفكِّر في كيف يكون البناء."

 

 

الدين والسياسة
حول التلازم الذي يحدث اليوم بين الدين والسياسة في السياسة الأميركية، ودخول الخطاب الديني المتزمت لسياسة رأس النظام الأمريكي، أجاب أبو زيد بأن مسألة الدين في أمريكا أعقد منها في أوروبا. فالفصل بين الدين والسياسة هناك حدث على مستوى البنية الفوقية؛ لكن على مستوى البنية المجتمعية لم يحدث هذا الفصل، ولا يجوز الوهم أنه تم تماماً الفصل بين الدين والسياسة في المجتمعات الغربية عموماً – الفصل بمعنى أن السياسة معزولة عن الدين الذي يظل له حضور في القرار السياسي. ولا يعني هذا أن الدين هو المتحكِّم؛ لكن هناك مصالح وتضارباً لهذه المصالح بين القوى المختلفة داخل المجتمع. وداخل المجتمع الأميركي هناك مقاومة لهذا الخطاب، وهناك اعتراضات واحتجاجات ضد السياسة الأمريكية تأتي من داخل أمريكا ومن خارجها، لأن الديموقراطية تسمح بهذا النوع من الاعتراض العلني على هذه السياسات؛ ويؤخذ، بالتالي، بهذه الاعتراضات العلنية بشكل أو بآخر. ونحن ليس علينا أن ننظر إلى الغرب على اعتبار أنه المثال والنموذج. فأوروبا التي ادَّعت العلمانية هي التي ساعدت في قيام دول على أساس ديني، منها دولة إسرائيل، وقيام دولة إسلامية في باكستان. إذن، الأمر ليس فقط "معايير مزدوجة"، وإنما التباس في تصورنا للعلمانية، وفي تصورنا أنه حدث في ذلك الجزء من العالم، وأنه قد قذف بالدين إلى خلفيات المجتمع.

 

 

وأخيراً، وحول تحوُّله – أي نصر حامد أبو زيد بذاته – من إشكالية ثقافية نصية في البحث في تاريخ النص وفهم النص، لينتهي إلى إشكالية محض سياسية، لا نقول إنه دافَع بقدر ما أوضح لسائله الحريص (بشيء من الغُصَّة التي حاول مداراتها عن العيون) بأنه كان يتمنى لو ظل مشغولاً في عزلته في الصومعة، متابعاً الحفر في مسألة النص والتاريخية والخطاب، ومؤملاً أيضاً، ليس فقط تأليف مجموعة من الكتب، إنما المساهمة في إنجاز مدرسة، ومواصلة التراث العربي الحديث في محاولة اختراق "الانسداد التاريخي في الفكر الإسلامي". لكن "الزلزال"، كما وصفه، حدث، وأُبعِدَ عن "صومعته". وليس المقصود بصومعته بلده مصر، أو جامعته، أو حتى بيئته، إنما "تلاميذه" – وهم الذين يفتقدهم، ويشعر هذا المفكر المعلِّم بأنها الخسارة الحقيقية التي مُنِيَ بها، مشبهاً تلاميذه بـ"الجنينة الصغيرة" التي كان يسقيها ويرعاها: "فالريح جاءت، وأنا فلاح ابن فلاح، وأكره جداً الريح حين تأتي وتنتزع الغرسة التي زرعتها... هذه هي الخسارة الحقيقية التي لا يمكن لأحد أن يعوضها... لكني وجدت مكاناً آخر، وجدت زراعة هناك تأتي من عناصر أخرى... وهذا يطرح عليك أسئلة عن علاقة المثقف بالسلطة... وتستعيد هنا علاقة المثقف بالسلطة في أزمة أنت ترى فيها أن الثقافة تفقد دورها... لأنه إذا كانت الشعوب سلَّمت شأنها للحكام الوطنيين، فقد سلَّم المثقفون شأنهم الآن للسلطة... يعني استطاعت السلطة، أو السلطات، أن تدجِّن المثقفين، بدرجات أو بأخرى، وأصبحوا، بشكل أو بآخر، جزءاً من جهاز السلطة. وأنا – حماية لنفسي من هذا الخطر، لأن كل كتاب هو مشكلة شخصية ومشكلة عامة – أعود إلى تاريخ المثقفين التنويريين، وأرى كيف كانت علاقتهم بالسلطة... وهذا مهم جداً جداً... إذاً ليس هذا انتقالاً من الفكري إلى السياسي، لأنني ما زلت في إطار الفكري؛ وفي كتابي مفهوم النص، وهو من الكتب الأولى والمعتدلة، ستجدني في قلب السياسي أيضاً. وفي قلب السياسي تفسير قضية الجبر والاختيار، بوصفها كانت قضية سياسية في ذلك المجتمع. فالفصل بين السياسي والفكري صعب؛ وفي النقاش السياسي الذي يدور الآن في مجتمعاتنا صعب جداً أن يستمر... وربما لأنني اغتربت، وربما كنوع من تعويض الاغتراب، أن تعيش القضايا الحية وتشارك في النقاش فيها." "الدرس الذي وعيتُه هنا أن أمامك خيارين كمثقف وتعمل في مجال الفكر: إما أن تنتج الفكر وتقول: "يا سلطة أبوس إيدك، اعملي هذا المشروع"... وهذا هو الذي حصل طوال الوقت باستثناء طه حسين؛ وإما أن تقول: "لا، أنا سوف ألجأ للناس ولن ألجأ للسلطة." أنا سأزرع أفكاري في الناس، بوسائل غير الكتاب، لأن الكتاب أحد الوسائل، لكنه ليس الوسيلة النهائية. وهنا وجدت اختياري. ولا أتردد عندما يكون هناك حوار أن أكون مع الناس، ولا أفكر في الوقت ولا في التعب، ليس لأنني أعتبر نفسي داعية، لكن لأنني أعتقد أن الحوار يزوِّدني ويبلورني ويبلور لي أسئلة؛ الحوار يمنحني التغذية الممتدة. أنت تطرح أفكارك في الناس، والناس تتجاوب معك أو لا تتجاوب؛ فيحدث هذا الجدل الخصب الذي يجعل الفكر ليس نظرية معلَّقة في الفراغ، أو مشروعاً نبوياً رسولياً. أعتبر أن نقدي لتاريخ علاقة المثقف بالسلطة، أو قراءتي لتاريخ علاقة المثقف بالسلطة بطريقة نقدية، أفادني، لأنني لا أستطيع أن أغيِّر التاريخ، لكنني أستطيع، على الأقل، أن أحمي نفسي من أن أكون جزءاً من هذا التاريخ. أفادني في أن أبحث عن حماية، ومن أين أجد هذه الحماية – وأعتقد أنني وجدت هذه الحماية. وهذا ليس نقلة في تصوري؛ وأنا محتاج أن أرجع إلى الصومعة. لكن بين الحين والآخر، يحتاج الراهب إلى أن يخرج لكي يشم الهواء النقي."

 

 

وختم نصر حامد أبو زيد حواره بالتأكيد على أن الدين قوة اجتماعية، بوصفه قوى من القوى الثقافية الفاعلة في المجتمع وفي الحِراك الاجتماعي. ويظل السؤال الذي تم التوصل إليه، ألا وهو أن الدين لا يصنع البشر، وإنما البشر هم الذين يصنعون الدين. فكيف يستعيد البشر قدرتهم على صناعة الدين؟

 

 

سؤال يرتبط بالحريات مرة أخرى؛ ويعني حرية الفكر وحرية الحوار وحرية التعبير. والديموقراطية، هنا أيضاً، هي وسيلة لتحقيق هذه الحرية، وليست مجرد وسيلة سياسية.

 

 

الرئيسية

الشخصية السورية الوطنية

 

لجنة إدارة الخارج

أحزاب سورية

منتدى الحداثة

اتصل بنا

صحافة و إعلام

حقوق الإنسان