المؤتمر التأسيسي 

مقدمة 

الحزب

أفكار و مواقف

الملف الحزبي

بيانات

أوهام الخصوصية وأسطورة الغزو الثقافي

جاد الكريم الجباعي

نحو إعادة التفكير في مفهوم الأمة

هل من الحكمة أن نعود مرة أخرى، في القرن الحادي والعشرين، إلى اشتقاق وجود الأمة من فكرة "الأمة العربية"، أو من "الماضي المجيد"، كما فعل الفكر القومي التقليدي والرومانسي، أم إن المنطق يقتضي، على العكس من ذلك، اشتقاق مفهوم الأمة أو فكرة الأمة من وجود الأمة الفعلي، أي من المجتمع الفعلي وشكل وجوده السياسي، ومن الشعب الفعلي وتحديده الذاتي، أعني من الدولة القائمة بالفعل، هنا والآن، في كل بلد عربي على حدة ؟ والدولة بالتعريف هي الشكل السياسي للوجود الاجتماعي، وتحديد ذاتي للشعب.

المجتمعات "العربية" والشعوب "العربية" والدول "العربية" لا تُستنفد كلها، ولا تُستنفد أي منها، في "الأمة العربية"، بحكم وجود نسب متفاوتة في كل منها من غير العرب، مهما تكن هذه النسب ضئيلة، ولا تستنفد في "الأمة الإسلامية"، بحكم وجود نسب متفاوتة في كل منها من غير المسلمين، ومن أتباع المذاهب والطوائف الإسلامية المختلفة، مهما تكن هذه النسب ضئيلة أيضاً؛ إذ الإثنيات والأديان والمذاهب والطوائف متساوية في القيمة الروحية، ومتساوية في الحقوق، بغض النظر عن عدد أتباعها، فإن كثرة العدد أو قلته لا يضيفان إلى ماهيتها شيئاً ولا ينقصان منهما شيئاً، والأكثر والأقل لا يزيد أي منهما على كونه تحديداً كمياً لا تنجم عنه كثرة أو قلة في الحقوق والواجبات؛ بل إن التطور التاريخي يتجه إلى أن تصير كل من هذه المجتمعات والشعوب أمة قائمة بذاتها، تشمل العرب وغير العرب، والمسلمين وغير المسلمين، من دون أن يهدر عروبة العرب من مواطنيها وإسلام المسلمين منهم، ومن دون أن ينفي احتمال وحدتها أو اتحادها، على غرار الاتحاد الأوروبي أو على غرار الولايات المتحدة الأمريكية، أو على أي صورة أخرى من صور الوحدة أو الاتحاد. ذلكم هو مجرى التاريخ الواقعي، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ونشوء أو إنشاء دول حديثة، بل محدثة تحديثاً ناقصاً ومثلوماً ومشوهاً في بعض جوانبه، على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، صارت فيما بعد دولاً "مستقلة وذات سيادة ومعترفاً بها دولياً"؛ وذلكم هو رهان التطور الديمقراطي والتغير النوعي في بنيتها وفي شكل وجودها السياسي.

لامناص للفكر السياسي اليوم من الانطلاق من حاضر المجتمع السوري أو المجتمع اللبناني أو العراقي أو المصري ... من حاضر الشعب السوري والشعب اللبناني والشعب العراقي أو المصري ... أي من حاضر الدولة السورية والدولة اللبنانية والدولة العراقية والدولة المصرية ... إلخ، للوقوف على المشكلات الفعلية التي تعوق نموها وتلجم تقدمها، وتحول دون صيرورتها دولاً وطنية/قومية وديمقراطية وسكانها أمماً حديثة؛ فلم يعد مقنعاً تعليق جميع مشكلاتنا على "التجزئة القومية والهيمنة الإمبريالية والاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي"، وإعفاء أنفسنا من المسؤولية، ووقف تقدم بلداننا، من ثم، على الوحدة العربية ودحر الإمبريالية وتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وحل مشكلاتنا بالكلام.

عجيبة هي مفارقات الفكر السياسي عندنا، إذ صار يتحدث عن مجتمعات: سورية ولبنانية وعراقية ومصرية ...، وعن شعوب: سورية ولبنانية وعراقية ومصرية ...، وإن بعد تردد طال أمده، على الرغم من قيام جامعة الدول العربية، وعن دول: سورية ولبنانية وعراقية ومصرية .. . إلخ، ولكنه يرفض الحديث عن أمة سورية وأمة لبنانية وأمة عراقية وأمة مصرية ...؛ ما يعني أن مفاهيم: المجتمع والشعب والدولة لا تزال مفاهيم هامشية تقع على محيط دائرة مركزها "الأمة العربية"، التي تحتم عليه أن يتحدث عن مجتمعات عربية وشعوب عربية ودول عربية، من دون أن يشعر بوخز الفرق والاختلاف بين الشعب السوري والشعب العربي السوري، مثلاً، ومن دون أن يدرك أن الشعب السوري شيء، والشعب العربي السوري شيء آخر: الأول واقعي، قوامه التعدد والاختلاف والتعارض، والثاني أيديولوجي قوامه التجانس والنقاء وامِّحاء الفروق وإلغاء الآخر. فالصفة (عربية) تأكل الموصوف (مجتمعات وشعوب ودول) أو تستنفده، فتبدد خصائصه الواقعية أو تجرده منها، فلا يتبقى منه شيء سوى العروبة المجردة، التي لا تكمن حقيقتها فيها، بل في شيء آخر من خارج حقلها الدلالي، هو العرق أو المذهب الديني، السني غالباً. وتسألون عن الاستبداد؟!!

يفترض المنطق أن الصفة تعيين، وكل تعيين هو نفي، وأنها، أي الصفة، حد وفرق يضعان تعارضاً قد يرقى إلى جدل، إلى ديالكتيك، ومن ثم، فإن من طبيعة الصفة أن تساعدنا على معرفة الموصوف، لا في مفهومه فحسب، بل في واقعه الفعلي، الكينوني، إذ كل كائن هو ناتج وصائر، والأمة ناتجة وصائرة ومتغيرة الأحوال، والصفة تتبع الموصوف في جميع أحواله. أما في موضوعنا، فإن الصفة (عربي أو عربية) هي بالأحرى ذات دلالة ماهوية أو جوهرية ثابتة وسرمدية، تستغرق الموصوف، فتزيده غموضاً وإبهاماً، وتقسره على اتِّباعها. الموصوف هنا تابع للصفة، ولا قيمة له في ذاته، بل في ما يستمده منها من قيمة ومشروعية. قيمة المجتمع أو قيمة الشعب تكمن في عروبته، وقيمة الأمة تكمن في عروبتها ليس غير، أو في إسلامها، ولا فرق. المحمول أهم من الحامل والصفة أهم من الموصوف، ذلكم هو جوهر الخصوصية العربية، والخصوصية الإسلامية، أوالعربية الإسلامية.

ويفترض المنطق أيضاً أن الموصوف لا يستنفد في صفة واحدة من صفاته، ولا في جميع صفاته المعروفة، إلا إذا افترضنا أن الموضوع شفاف ومستوعى إلى النهاية. أما في موضوعنا وموضوعاتنا فإن الموصوف يستنفد في صفة واحدة؛ إذ نقول: الوطن العربي والشعب العربي والمجتمع العربي والوحدة العربية والثقافة العربية والفكر العربي والثورة العربية والأمة العربية والدولة العربية ... فتطغى الصفة، التي لا تحدد شيئاً يتعدى دلالتها في السياق، على الموصوف، حتى لتغدو هي الموضوع لا المحمول، فيغيب الموضوع في سديم المحمول ويتبخر الواقع في أثير الفكر. وينجم عن ذلك في كثير من الأحيان أن تنسب السلبيات والمثالب والظاهرات غير المستحبة إلى الفكرة، التي هي الصفة في موضوعنا، أي إلى العرب والعروبة، في نوع من تبكيت الذات، فتغدو السلبيات والمثالب والظاهرات غير المستحبة أدنى إلى أن تكون صفات أنتروبولوجية ثابتة لا سبيل إلى معالجتها، أو إصلاحها.

لعل هذه الطريقة في التفكير، أي التفكير في الصفات على أنها ذوات وفي المحمولات على أنها موضوعات، وما تنتجه من رؤى وتصورات، هي العامل الرئيس في جميع الإخفاقات التي يميل الكثيرون إلى الحديث عنها بالجملة، بغض النظر عن تعدد المجالات واختلافها، وبغض النظر عن تغير الظروف وتعدد المناطق (من المنطقة، ومن المنطق أيضاً). فحين نتحدث عن الأمة العربية، على سبيل المثال، تفرض علينا الصفة (العربية) أن نتجاهل واقع أن الأمة مفهوم حديث يحيل على كينونة اجتماعية محددة في الزمان والمكان، هي المجتمع الحديث، المجتمع المدني الذي هو التجسيد الواقعي للأمة، لا مجتمع الملل والنحل والطوائف
والعشائر والإثنيات والجهويات، وأنها، أي الأمة، تتعين سياسياً في الدولة الوطنية/القومية، وما لم تتعين على هذا النحو، في المجتمع المدني والدولة الوطنية، تظل فكرة في الذهن. وتفرض علينا أن نتجاهل أيضاً واقع أن العرب هم سوريون وعراقيون وفلسطينيون ومصريون و ...، ينتمي السوريون منهم، على سبيل المثال، إلى دولة قائمة بالفعل، بغض النظر عمن أقامها وكيف أقامها؛ هذه الدولة هي الحقيقة الموضوعية التي ينبغي الانطلاق منها والانشغال بها والاشتغال فيها، هي الواقع العياني الذي يحمل الوحدة العربية ممكناً من ممكناته فحسب. والفكر الذي يعتبر أن هذا الواقع باطل يكون هو نفسه باطلاً.

هناك من لا يزال يقول: "حسبنا أن ننطلق أولاً من أن العرب واقعة موضوعية، بمعزل عن تعيُّن هذه الواقعة حاضراً"[2]. وينسى أن الانطلاق من هذه "الواقعة الموضوعية" أولاً لم يذهب بنا إلى أي مكان على مدى نحو قرن من الزمن، كنا ننطلق من النقطة ذاتها، من "الأمة العربية الواحدة" بمعزل عن تعيناتها، ونعود إليها لننطلق منها من جديد. لعل المشكلة تكمن هنا، أي في عدم تعيُّن هذه "الواقعة الموضوعية"، بما هي "واقعة" كلية مجردة غير موجودة سوى في الذهن، وفي عدم الاعتراف بشرعية تعيُّنها الواقعي في "دويلات وسلطات متعددة، دويلات كبيرة جغرافياً وسكانياً ودويلات تكاد لا ترى بالعين المجردة، دويلات فقيرة الموارد ودويلات كثيرتها، دويلات تابعة تبعية شبه مطلقة ودويلات تابعة نسبياً إلخ"[3]. المشكلة تكمن هنا، في التفارق والتنابذ بين الواقعة الذهنية "الموضوعية" وبين تعيُّنها، أي في عدم تطابق الواقع العياني مع الفكرة/"الواقعة الموضوعية"، أو في عجز الفكرة عن خلق واقع يناسبها ويتطابق معها، مع أنها "واقعة موضوعية".

لو أعدنا صوغ هذه المقولة بعبارات أخرى لقلنا: هنالك وجود في الذهن، (وهو غير الوجود بالقوة)، ووجود في الواقع، هو وجود بالقوة ووجود بالفعل. ولاستنتجنا من دون أي تعسف أن الموجود في الذهن (العرب) هو الموجود الحقيقي وهو "الواقعة الموضوعية" والحقيقة الكلية، وأن "الدويلات الكبيرة والصغيرة، الموجودة في الواقع، هي مجرد ظلال على جدار الكهف، مجرد وهم باطل، وقد وصفت هذه الدويلات بأنها دويلات "غير واقعية وغير معقولة"[4]. لاحظوا أن دولاً مضى على قيامها أو إقامتها نحو قرن من الزمن ولا تزال "غير واقعية وغير معقولة"، مع أنها لا تزال الضمانة الوحيدة لكي لا تذهب مجتمعاتها إلى حروب أهلية، مذهبية وطائفية، كما هي الحال في العراق اليوم. أجل، الدولة الوطنية هي الضمانة الوحيدة لنفي الحرب من المجتمع، الضمانة الوحيدة لعدم نشوب حروب أهلية لا تزال إمكاناتها وفيرة في معظم هذه البلدان.

"
الدويلات" القائمة إذاً دويلات "غير واقعية وغير معقولة"، وتصغير الدول الكبيرة والصغيرة على السواء إلى "دويلات" ينطوي بداهة، في هذا السياق، على التحقير. السؤال المهم هو: لماذا ينتمي العربي ثقافياً وروحياً إلى دولة متخيلة، لا وجود لها سوى في الذهن، ولا ينتمي إلى الدولة القائمة بالفعل هنا والآن؟ لماذا لا يزال ينظر إلى الدول القائمة بالفعل على أنها ظاهرة "غير واقعية وغير معقولة"، ولماذا لا يزال ينطلق من الهدف (من الدولة العربية، دولة الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة، أو من الدولة الإسلامية أو من الدولة الاشتراكية ودكتاتورية البروليتاريا ومن الأممية البروليتارية) إلى الواقع، فيبدو له الواقع الفعلي "غير واقعي وغير معقول" والواقع الوهمي أو المتخيل أو المرغوب فيه هو الواقعي والمعقول وهو "الظاهرة الموضوعية"؟

العرب كينونة / كينونات اجتماعية، إنسانية، في العالم وفي التاريخ، كغيرهم من الأقوام والإثنيات، والكينونة لحظة فحسب من لحظات الصيرورة، أي إنها لحظة من لحظات الديالكتيك، هي اللحظة الوضعية الإيجابية، التي تحمل نفيها في داخلها، ومن ثم فإنه لا يمكن مقاربة مقولة العرب مقاربة عقلانية إلا بوضعها تحت مقولة الشكل ومبدأ التشكل الذي هو نفسه منطق الصيرورة التاريخية. والشكل في مغزاه الأكثر عينية هو العقل بوصفه معرفة نظرية، والمضمون في مغزاه الأكثر عينية هو الماهية الجوهرية للواقع، سواء كان واقعاً طبيعياً أو أخلاقياً، بحسب الفيلسوف الألماني هيغل. لقد تشكَّل العرب، مع غيرهم من الأقوام، بعد الحرب العالمية الثانية، دولاً هي جمهوريات وممالك وإمارات ومشيخات، بعد أن كانوا عثمانيين، أي رعايا في الإمبراطورية العثمانية، على مدى أربعمئة عام، حتى أوائل القرن العشرين، وعملية التشكل هذه عملية تاريخية، كان الخارج هو الفاعل الأساسي فيها، ويبدو أنه لا يزال كذلك، فالرجل المريض لا يزال مريضاً.

بتشكلهم على هذا النحو صار العرب وغير العرب، أو يمكن أن يصيروا أمماً وشعوباً، أي ذوات حرة، بقدر ما صار لهم أو يمكن أن يصير لهم دول وطنية حقاً وفعلاً، وهذا تقدم كبير، لأنه انطلاقاً من هنا يمكن أن يتعاونوا ويتضامنوا وأن يتحدوا، كما تتعاون الأمم والشعوب وتتضامن وتتحد. (يجب ألا ننسى أن الخروج من العثمانية كان تحرراً بطيئاً ومتردداً وخجولاً ومعوقاً من علاقات التبعية والولاءات الشخصية ذات الطابع الإقطاعي الشرقي). ولما كانت الدولة الوطنية تعبيراً عن الإرادة العامة، فإن فكرة الوحدة العربية تحتاج إلى أن يعاد بناؤها على مبدأ الإرادة العامة، لا على مبدأ إرادة نخبة أو حزب أو قائد كاريزمي، أي إنها تحتاج إلى أن يعاد بناؤها من منظور واقعي أولاً، ومن منظور ديمقراطي ثانياً، ومن منظور سياسي، لا من منظور أيديولوجي ثالثاً.

تبدأ السياسة التي تستحق اسمها بالانعطاف من العالم الوهمي إلى عالم الإنسان الواقعي، والانشغال به والاشتغال فيه، أي بالخروج من شرنقة الأيديولوجية والانعطاف إلى الواقع القائم بالفعل، هنا والآن. "فلو كان التفكير أو العاطفة أو أية صورة شئت من صور الوعي الذاتي تنظر إلى الحاضر على أنه شيء باطل وتسعى إلى تجاوزه بمنظار حكمة أعلى فإنها تجد نفسها في فراغ"، وتكون هي ذاتها باطلة، لأنها قائمة في الحاضر ذاته، بحسب هيغل. ولكن الواقع، ببعديه الطبيعي والاجتماعي أو الأخلاقي، موار ومتغير، بحكم تعارضاته الملازمة، فهو واقع تناقضي، جدلي، وإمكاني واحتمالي وعنيد في الوقت ذاته، وليس فيه من حتمي سوى ما تحقق بالفعل. ولذلك لا يمكن أن تتطابق الأهداف التي يتوخاها العمل البشري والنتائج التي يحققها. والفعل السياسي خاصة أقل الأفعال موثوقية في بلوغ النتائج المرجوة منه والأهداف المنشودة من خلاله. ومن ثم فإن هنالك مغامرة معرفية وعملية في التنبؤ بما يمكن أن يكون عليه الواقع، ناهيكم بما ينبغي أن يكون عليه.

والسياسة العقلانية هي العمل على ما هو ممكن لا على ما هو واجب. وهو ما يقتضي إعادة بناء صورة العالم الواقعي في الذهن والكشف عما ينطوي عليه من تعارضات واحتمالات. "وإذا استطاعت نظرية ما أن تجاوز العالم الواقع فعلاً، وأن تبني المثل الأعلى للعالم على نحو ما ينبغي أن يكون عليه، فإن هذا العالم يكون له وجود من غير شك، ولكن في رأس صاحب النظرية فحسب، على هيئة عنصر لا قوام له"[5]، كالأممية البروليتارية في رؤوس الاشتراكيين، ومنهم ماركس نفسه، والدولة القومية، دولة الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة، في رؤوس القومويين والخلافة الإسلامية في رؤوس الإسلامويين والمدينة الفاضلة في رؤوس الطوباويين، وهذه لا يمكن أن تقوم أي منها إلا بمعجزة أو بثورة على الطبيعة البشرية. العقل هو عقل العالم بما هو عليه وبما يمكن أن يكون عليه، لا بما يجب أن يكون عليه؛ إنه وحدة ا
لشكل والمضمون. إذا كان الأمر كذلك فلا مناص من إقامة الحد على الوعي الأيديولوجي والاعتراف بواقعية التجربة التاريخية؛ فحين يفعل الناس كل ما في وسعهم ويبذلون الغالي والنفيس في سبيل أهدافهم الذاتية ولا يبلغونها لا تكون المشكلة في الواقع وعناده وممانعته، ولا في الأهداف المشروعة أخلاقياً، كالوحدة العربية أو الاشتراكية أو "مجتمع الكفاية والعدل"، مثلاً، بل في الوعي الذي يوجه العمل، وفي تأخر بنى المجتمع كافة والبنى الأيديولوجية والسياسية خاصة، ويغدو نقد الوعي ونشر عار التأخر على الملأ واجباً سياسياً وأخلاقياً من الدرجة الأولى.

اشتقاق وجود الأمة من فكرة مجردة، هي الأمة العربية ذات الرسالة الخالدة، واختراع تاريخ لهذا الوجود الوهمي، بانتقاء الوقائع والأحداث وتأويلها على أنها تجليات لجوهر قومي متعال ومفارق للوجود الاجتماعي الفعلي، ولا ضامن له سوى اللغة المقدسة، ولا يستنفد في "أمة عربية" إلا بالاتكاء على مفاهيم الموالي وأهل الذمة والخوارج والروافض أو النواصب، بحسب المتكلم، وبإغماض العين عن الوقائع العنيدة، التي تراكمت منذ نحو قرن من الزمن، هو أساس فكرة "الخصوصية" التي يتحصن خلفها العروبويون والإسلامويون على السواء، ويصدون بها لا الأفكار والمبادئ والقيم والمناهج الحديثة فحسب، بل الوقائع الموضوعية التي تهدد اتساق الأيديولوجية وتكشف خواءها (نشير هنا، على سبيل المثال، إلى موقف غالبية الكويتيين من "الغزو" العراقي، وموقف غالبية اللبنانيين من "الاحتلال" السوري، مع أن العرب الكويتيين ليسوا أقل عروبة من العرب العراقيين والعرب اللبنانيين ليسوا أقل عروبة من العرب السوريين). الخصوصية هنا ليست تعيُّناً لعامٍّ، وليست نسبية محدودة بمطلق، وليست جزئية معرَّفة بكلِّيٍ هو ماهيتها وجوهرها، بل هي بالأحرى خصوصية مطلقة تتربع على عرش العام والكلي والمطلق. ومن ثم فإن الحديث عن الخصوصية صار معادلاً لضمور العمومية والكلية على كل صعيد، ولعربدة الإثنيات والمذاهب والطوائف، ولغياب المطلق، أعني الروح الإنساني؛ "ومن ليس في فكره وفي روحه المطلق يحول نسبيَّه إلى مطلق، وذلكم هو الاستبداد"، بتعبير الياس مرقص.

إن ضمور فكرة الإرادة العامة والمصلحة العامة والشأن العام، وضعف مردودها في الممارسة العملية على كل صعيد، وغياب فكرة الدولة الوطنية بوصفها مجتمعاً سياسياً عمومياً يضم العرب وغير العرب، على أنهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، لا على أنهم عرب وغير عرب، كانت ولا تزال من أهم العقبات في طريق نمو العناصر الديمقراطية في الفكر والأخلاق والسياسة؛ فالديمقراطية قبل أن تكون كذا وكذا وكيت هي مضمون الدولة الوطنية الحديثة، وهذه الأخيرة، أي الدولة الوطنية الحديثة، هي شكلها السياسي، ونسبة اتساق الشكل والمضمون هي رائز ديمقراطية الدولة أو عدمها؛ لذلك عرف ماركس الديمقراطية بأنها وحدة الشكل والمضمون الجدلية. فكرة الأمة، وفق هذا المنظور تعادل فكرة العمومية والكلية، اللتين تستغرقان جميع الخصوصيات الإثنية والدينية والمذهبية والطائفية، وتحددان جميع الأجزاء، وتمنحان هذه وتلك معنى واتجاهاً. الخصوصية الفعلية الحية هي عمومية متعيِّنة في زمان ومكان محددين، وجزئية تستمد ماهيتها وخصائصها الجوهرية من الكلي، ونسبية محدودة بمطلق هو الإنسان، وإلا فهي فراغ في فراغ وخواء في خواء ووهم في وهم.

لا تتجسد الأمة فعلياً إلا في المجتمع المدني والدولة الوطنية، بوصفهما كلية عينية تنمو وتتطور بفعل تعارضاتها الملازمة. ولا تتجسد على هذا النحو إلا على أساس التواصل الاجتماعي والإنساني بين جميع فئاتها وطبقاتها، وفق مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، وعلى أساس الإرادة العامة والمصلحة المشتركة والاحتياج المتبادل والاعتماد المتبادل، لا على أساس العرق أو الدين أو المذهب، ولا على أساس الأرض واللغة والتاريخ، على أهمية هذه جميعاً. الأمة والقومية على السواء مفهومان علمانيان وحديثان، يحيلان على كلية عينية نسجها تطور تاريخي، الأول، أي الأمة، هو تجريد علاقاتها الداخلية، ولا سيما الطبقية منها، والثاني، أي القومية، هو تجريد علاقاتها الخارجية[6].

في ضوء ذلك، يغدو ضرورياً إعادة تعريف الهوية، بما هي وعي الذات، بدلالة الانتماء إلى المجتمع المدني والدولة الوطنية، وبدلالة الإنتاج الاجتماعي، المادي والروحي بالتلازم الضروري، وبدلالة الإرادة الحرة، الإرادة الفردية والإرادة العامة التي تجسدها الدولة الوطنية، أي بدلالة الحرية، وجدلها الداخلي، أعني جدل الحرية الذاتية والحرية الموضوعية، لا بدلالة اللغة ولا بدلالة العرق ولا بدلالة الدين أو المذهب أو الطائفة، ولا بدلالة "الماضي المجيد". الهوية الفعلية لأمة من الأمم هي ما تنتجه هذه الأمة على الصعيدين المادي والروحي، لا ما كانت عليه في غابر الأزمان. وما لم تتعين الأمة في دولة وطنية/قومية تظل فكرة مجردة، وتظل "الدولة القومية" نوعاً من يوتوبيا، بل تظل، في أوضاعنا الراهنة، نوعاً من وهم يحجب عنا ضرورة منح الدولة القائمة بالفعل المشروعية التي تستحق والارتقاء بها إلى دولة وطنية لجميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز، ثم إلى دولة ديمقراطية.

إعادة بناء مفهوم الأمة على مبدأ الحرية وجدلها الداخلي، الذي تتحول بموجبه الحرية الذاتية إلى حرية موضوعية تحدد الحرية الذاتية، في كل مرة، وتحد من غلوها وتطرفها، أي على مبدأ الإرادة العامة للعرب ولغير العرب بالتساوي، وللمسلمين وغير المسلمين بالتساوي أيضاً، هو الشرط الضروري لافتتاح سيرورة تطور ديمقراطي في بلداننا، ولجم الاندفاعات العرقية والمذهبية والطائفية العمياء، وبناء الدولة الوطنية أو إعادة بنائها. وهو الشرط الضروري، بالقدر نفسه، لوحدة هذه البلدان أو اتحادها.

العروبة هوية العرب الثقافية أو الحضارية، ما في ذلك شك. هنا تحتل اللغة العربية وثروتها الثقافية مكانها الطبيعي. ولكن المجال الثقافي أو الحضاري لأي أمة لا يطابق مجالها السياسي، بل يزيد عليه ويفيض عنه، ويرقى به إلى آفاق إنسانية أرحب. الأمم والشعوب تتثاقف وتتعارف، وثقافة كل منها هي تجل خاص وجزئي ونسبي للروح الإنساني العام والكلي والمطلق. الثقافة العربية التي تستحق اسمها لا تتعرف إلا بصفتها ثقافة إنسانية تضع العرب في العالم وفي التاريخ على أنهما عالمهما وتاريخهما بالتساوي مع سائر الأمم والشعوب، والمثقفون الذين يستحقون أن يوصفوا كذلك في كل أمة كانوا دوماً مثقفين كونيين أو عالميين، وكونيتهم أو عالميتهم كانت دوماً محتوى وطنيتهم، وهنا يكمن امتيازهم وسؤددهم: في روحهم الكوني وفي نزوعهم المستقبلي، فضلاً عن نزوعهم إلى الحرية وسعيهم إلى الحقيقة وتضامنهم معها. الوطنية أو القومية، وهما عندي بمعنى واحد، درجة في سلم الارتقاء إلى الإنسانية.


الهوية العربية لم تجبّ ولن تجب الهوية السورية والهوية المصرية والهوية العراقية وغيرها، بل يمكن أن تنميها وترقى بها إلى مستوى إنساني أرفع، بقدر ما تكون هوية فعلية عصرية وحديثة وديمقراطية منفتحة على جميع الثقافات ومتجهة إلى المستقبل. فلا نعود إزاء مفهومين: وطني/قومي (مصري أو سوري أو لبناني ....) وعربي، متعارضين ومتنابذين، بل إزاء مفهومين يحيل الوطني أو القومي منهما على الحقل السياسي، أي على الدولة الوطنية، ويشير الثاني، أي العربي إلى الحقل الثقافي الذي هو حقل كوني بامتياز. وفي هذا الحقل تتقاطع الثقافة الوطنية والثقافة العربية مع الثقافات الأخرى في فضاء الثقافة الكونية أو العالمية تقاطعاً لا ينفي الخصائص القومية التي لا تعدو كونها تعبيراً عن تجربة إنسانية خاصة في الزمان والمكان، بل يدرجها في فضاء إنساني عام هو قوام خصوصيتها، ويجعل منها مصدراً من مصادر غنى الثقافة الإنسانية وثرائها. ومن هذه الزاوية تتساوى جميع الثقافات في القيمة الإنسانية.

الأقوامية السياسية والمذهبية السياسية والطائفية السياسية، على السواء، تقليص للعام وتجزئة للكلي وتنسيب للمطلق، إن لم نقل نفي للعام والكلي والمطلق، وهو ما أكدته السلطات الشمولية التي حكمت باسم "القومية العربية" أو باسم الإسلام، وما تؤكده اليوم الأحزاب القومية والجماعات الإسلامية، التي تقول بالولاء والبراء بوجه عام، والمتطرفة منها بوجه خاص. فالعروبة السياسية، في أي بلد عربي، مفهوم جزئي لا يرقى إلى مستوى الوطنية، لأنه يخرج كل من ليس عربياً من دائرة الأمة، ومن ثم، من دائرة الدولة، فتكف هذه الأخيرة عن كونها دولة وطنية.الأقوامية السياسية هنا، كالمذهبية السياسية والطائفية السياسية سواء بسواء، مفهوم حصري وإقصائي يؤسس للشمولية والاستبداد، ويمهد للحرب الأهلية، ويذكي أوارها؛ ذلكم هو أساس جميع مشكلاتنا.

"
القومية العربية"، التي عبر عنها حزب البعث العربي الاشتراكي وناصرية ما بعد عبد الناصر وما شاكلهما، أسفرت عن وجهها الشمولي الاستبدادي التسلطي، وأفصحت عن جميع مكنوناتها العرقية والمذهبية، أو العرقية/المذهبية. وأدت، حيثما تسلم القوميون السلطة، إلى تخريب المجتمعات وتفكيكها، وتدمير الدول الوطنية التي كانت آخذة في النمو، وكانت في كل بلد على حدة نزعة ما فوق وطنية أيديولوجياً وما دون وطنية سياسياً وأخلاقياً. بتفكيك المجتمع وتخريبه، في جميع المجالات، وبتدمير الدولة الوطنية واحتكار الثروة والسلطة والقوة وإعادة إنتاج علاقات التبعية والولاء الشخصي ... وضعت السلطات التي حكمت، ولا يزال بعضها يحكم، باسم "القومية العربية"، وضعت مجتمعاتها على مفترق: إما دوام الطغيان والاستبداد وإما الفوضى والحرب الأهلية. ولم يعد أمام البلدان التي ابتليت بمرض القومية الخبيث سوى إعادة بناء دولها الوطنية، وبناء وطنيتها، عاصماً وحيداً من الفوضى والإرهاب والحرب الأهلية، ولم يعد أمام نخبها سوى معارضة النزعة القومية العربية الأيديولوجية بالوطنية الواقعية، وتمييز العروبة، بما هي فضاء ثقافي عام وانتماء حضاري لجميع العرب، من أيديولوجية القومية العربية البعثية والناصرية وما في عدادهما.

ما نسميه ثقافتنا العربية وتراثنا العربي وحضارتنا العربية، التي يحاول القومويون والإسلاميون حبسها داخل أسوار الخصوصية، ليست من إنتاج جماعة عرقية بعينها أو جماعة دينية أو مذهبية بعينها، بل هي تركيب حضاري ونسيج تاريخي أسهمت فيه جماعات مختلفة عاشت في كنف الخلافة الإسلامية وأقوام مختلفة سبقتها أو كانت معاصرة لها، وكذلك هي الحال دوماً. ليس هنالك أمة في التاريخ يتطابق حقلها الثقافي مع حقلها السياسي ولا يتعداه، فما بالكم بأصلها العرقي أو عقيدتها الدينية؟ الحقل السياسي حقل خاص لأمة بعينها، والحقل الثقافي حقل عام هو تجريد عمومية الأمم والشعوب والدول وتجريد كل فرد من أفرادها. الثقافة توحد ما تفرقه السياسة على الصعيدين الوطني والكوني؛ فليس هنالك من إنتاج ثقافي يستحق اسمه إلا وفيه عنصر كوني. والانحطاط الثقافي أو الروحي بالتعريف هو ضمور العنصر الكوني في ثقافة شعب معين أو أمة معينة. آن لنا أن نعترف أن نزعة الخصوصية، وهي سليلة الاستبداد الديني والاستبداد السياسي بالتلازم الضروري، ليست سوى تعبير مرضي عن عقدة الهوية، بل عن ضياع الهوية، ومعادل سياسي للسلفية، مذهب الحركات الارتدادية التي تذهب بنا إلى الهاوية.

الثقافة من دون أي صفة، تشمل الأساطير والخرافات والأوهام والآداب والفنون والعلوم والفلسفة والدين والعادات والتقاليد والأعراف والقيم وأنماط السلوك وأشكال التواصل .. فهي شكل الحياة الإنسانية، والحياة الإنسانية هي مضمونها فحسب. بها صار الإنسان إنساناً. وبها صار ممكناً للفرد الطبيعي أن يتعرف ماهيته في الآخر، أي صار يتعرف الآخر على أنه تجلي ماهيته الإنسانية. ومرة أخرى، "الشكل في مغزاه الأكثر عينية هو العقل بوصفه معرفة نظرية، والمضمون هو العقل بوصفه الماهية الجوهرية للواقع الفعلي سواء كان واقعاً أخلاقياً أو طبيعياً". وجدل الشكل والمضمون الذي هو نفسه هنا جدل الخاص والعام هو منطقها الداخلي ومنطق تاريخها. في ضوء هذا الجدل فقط يمكن معرفة الثقافة المتعينة في زمان ومكان محددين، وفي لغة معينة، على أنها العام متعيناً، أي على الروح الإنساني متعيناً، وعلى أنها شكل الحياة الإنسانية لجماعة متعيِّنة في المكان والزمان. وذلكم هو معنى الخصوصية التي تعي ذاتها بوصفها حياة إنسانية لها بعد في الزمان هو التاريخ وبعد في المكان هو العالم وبعد في المعرفة هو العقل الكوني، أي إنها تعي ذاتها في العلاقة/العلاقات الضرورية التي تربطها بالعام. من دون هذا الجدل يستحيل فهم مادية العالم الإنساني ومادية العالم. اللامتناهي قابل للتشكل، وكذلك العام، والمتناهي قابل للتغير والانحلال فحسب وقابل للزوال، وكذلك الخاص؛ الإنسان ينتج ذاته في العالم وفي التاريخ أشكالاً مختلفة: اجتماعية وثقافية وسياسية ترجع جميعها إلى جذر واحد هو جدل الشكل والمضمون ووحدتهما التناقضية. وفي ضوء وحدة الشكل والمضمون، أي وحدة الوعي والوجود والفكر والواقع والمعرفة والعمل يغدو لزاماً علينا نقد الوعي السائد، بوصفه صورة العالم في الذهن، أو بوصفه صورة المعقول في نفس العاقل، بتعبير أبي حيان التوحيدي، ونقد الفكر بوصفه شكل العالم والعمل على اكتساب جميع فروع المعرفة لترشيد العمل.

الثقافة، بكل تحديداتها المعروفة والممكنة، منظوراً إليها في استقلالها المفهومي عن سائر مجالات الحياة الاجتماعية الأخرى أو عن سائر أشكال الوجود الاجتماعي الأخرى، هي أيضاً شكل ومضمون؛ فهي شكل الحياة الإنسانية وشكل جميع أشكالها الأخرى: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية؛ ولذلك كانت مهماز التقدم وشرطه الضروري، لأنها قاصرة عن شمول الحياة الإنسانية وتجددها الدائم من جهة، ومتقدمة على سائر أشكال الحياة الاجتماعية لهذه الأمة أو تلك من جهة أخرى؛ الحياة ترفدها وتغنيها كل يوم، وهي ترفد أشكال الحياة الاجتماعية الأخرى وتغنيها كل يوم. الثقافة العربية، على سبيل المثال، شكل خاص لمضمون عام هو التجربة الإنسانية، وشكل خاص لوجود جماعة معينة في الزمان والمكان، بيد أن هذا الوجود ذاته ليس شيئاً آخر سوى الوجود البشري متعيناً هنا والآن. وإلا لما كان هناك تثاقف بين الأمم والشعوب، ولا كانت هنالك فائدة ترجى من تعلم لغات الأمم والشعوب الأخرى وترجمة آثارها والاطلاع على تجاربها. وعوامل الاختلاف لا تتقوم باللغة فحسب، بل بشروط الحياة التي تختلف من مكان إلى آخر ومن زمان إلى آخر. كل خاص هو عام، لأنه لا وجود فعلياً للعام، وهو هنا التجربة الإنسانية، إلا في الخاص.

الخصوصية التي تخلب ألباب العرب، قومويين وإسلامويين، لا تعني في الواقع سوى تماهي "القومية العربية" أو "الأمة العربية" و"الثقافة القومية" أي تماهي جوهرين لاتاريخيين في هوية صخرية أزلية وسرمدية. فالعرب وفق هذا التحديد، أي وفق هذه الخصوصية، جنس آخر قائم بذاته إزاء الجنس البشري، أو العرب هم الجنس البشري دون غيرهم من العجم والبربر والعلوج. وتعني من جانب آخر تطابق الشكل والمضمون، أي إن العرب أمة ناجزة ومكتملة ومستغنية بذاتها، وثقافتهم كذلك ناجزة ومكتملة ومستغنية بذاتها. ومن ثم فليس هنالك أي تعارض بين الشكل والمضمون، أي ليس هنالك جدل وليس هنالك تاريخ. وحين يصير الشكل هو المضمون والمضمون هو الشكل يسقط النقيضان معاً. لا معنى للخصوصية، في خطاب القومويين والإسلامويين، سوى التمامية والكمال، وهما أس الاستبداد الديني والاستبداد السياسي.

هذه الخصوصية الوهمية، التي تنتج الأوهام، وتحتاج دوماً إلى مزيد منها، تعني، من زاوية أخرى، تطابق المجال الاجتماعي الذي يدل عليه مفهوم الأمة، والمجال السياسي الذي يدل عليه مفهوم القومية، والمجال الثقافي الذي يدل عليه مفهوم العروبة، وهو تطابق غير قائم في الواقع، ومن المستحيل قيامه، إلا بافتراض جمع العرب الأقحاح في دولة واحدة وعزلهم في جزيرة معزولة عن العالم، أو إعادتهم إلى الجزيرة العربية وعزلهم عن العالم بنوع من سور صيني يقيهم جميع تيارات العصر الحديث. فإذا كان من البديهي أن هذه المجالات: الاجتماعية الاقتصادية والسياسية والثقافية، تؤلف كلية عينية خاصة فعلاً، في كل بلد على حدة، فإن المجال الثقافي يفيض عنها ويتعداها، والمجال الثقافي هنا هو العروبة. واعتزاز العرب بلغتهم وثقافتهم وشدة تعلقهم بهما وعمق انتمائهم الروحي والوجداني إليهما، وهي مما تستحقه اللغة العربية والثقافة العربية، لا يعني أن هاتين اللغة والثقافة تقيمان قومية عربية وأمة عربية هي "خير أمة أخرجت للناس"، ولا يعني من ثم أنهما تقيمان دولة عربية، فالفكر لا يخلق الواقع، بل هو شكل الواقع وتجريده النظري وخلاصته الموسوعية فحسب.

والخصوصية الواهمة، من زاوية ثالثة، قائمة على اعتقاد راسخ، ضمني وصريح، بمقولة "خير أمة أخرجت للناس"، التي أزيحت عن معناها الأصلي وسياقها الأخلاقي الأصلي، (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) حتى باتت معادلة لمقولة "شعب الله المختار"، ولمقولة "الملة الناجية" وكانت ترجمتها السياسية أن اختارت كل من السلطات الشمولية شعبها، كما لاحظ محمود درويش، وحولته إلى سديم غير منسوج من كائنات توتاليتارية، أي إلى "جماهير"، ووافقتها في ذلك الأحزاب الأيديولوجية الشمولية، وغدت الخصوصية، من ثم، درعاً لصد الأفكار والمبادئ والقيم والمناهج الحديثة التي تعري جذور الشمولية والاستبداد، وتدفع إلى مناهضتهما، وحجة على المعارضة الديمقراطية، وعلى النخبة الحديثة. ولا نغالي إذا قلنا إنها صارت معادلاً نظرياً وعملياً لمبدأ "الولاء والبراء".

يتحدث العرب خاصة عن الغزو الثقافي الذي يحتل العقول ويفسد الأخلاق ويدمر هوية الأمة، والله أعلم ما هوية الأمة؛ ولم يسأل أحد من هؤلاء المدافعين عن كرامة الأمة وأصالتها وثقافتها وتراثها وهويتها .. لم يسأل نفسه عن الثقافة التي يحملها ملايين المهاجرين والمهجرين العرب إلى تلك الدول التي تغزونا ثقافياً. بحساب بسيط، عدد العرب في الدول الأوربية وأمريكا الشمالية أضعاف عدد الأوربيين والأمريكيين في البلاد العربية، بما في ذلك المستوطنون الإسرائيليون من أصول أوروبية وأميركية، وجيوش الاحتلال، وفي ضوء هذا الحساب، مضافاً إليه أن احتفاء الأوساط العلمية والثقافية في أوروبا وأميركا بالعلوم والثقافة بوجه عام، ومنها الثقافة العربية، يفوق احتفاء العرب بثقافتهم ذاتها وبالثقافة بوجه عام أضعافاً مضاعفة، يبدو أن العرب هم من يغزون أوروبا وأميركا ثقافياً. فمن الذي أحرى به أن يخاف من الغزو الثقافي ويخشى عواقبه؟

الغيارى على "الثقافة القومية" وعلى هوية الأمة من الغزو الثقافي لا ينبسون ببنت شفة ولا يحركون ساكناً في مواجهة "الثقافة الجماهيرية" للدولة التسلطية وإعلامها الكاذب والناقص والفارغ من أي مضمون اجتماعي وإنساني. ولم يحركوا ساكناً إزاء انحطاط الثقافة وفساد التعليم وتدني سويته العلمية والأخلاقية في جميع مراحله. الجرائم التي ارتكبت في مجال الثقافة والتربية والتعليم كانت الأشد خطراً، من بين سائر الجرائم الأخرى على حاضر بلادنا ومستقبلها.

 

 

[1] - تصوروا أمة سورية حديثة، أو أمة لبنانية حديثة، مثلاً، أبناؤها من العرب وغير العرب ومن المسلمين وغير المسلمين!!! ذلكم هو الواقع الراهن، وذلكم هو التحدي النظري والعملي للفكر والسياسة، بدون تحايل على "المسألة القومية"، ولا سيما مسألة الوحدة العربية، التي لا يجوز النظر إليها اليوم إلا بصفتها مسألة ديمقراطية، فالمستقبل ليس سوى ممكنات الحاضر، الذي وحده يستحق أن يكون موضوعاً للفكر، ولا سيما أن الماضي يجري في عروق الحاضر ويثوي في ثناياه، وليس من سبيل إلى معرفته معرفة علمية إلا من خلال الحاضر. فإن تشكل أمة سورية حديثة ودولة وطنية سورية حديثة وديمقراطية، وأمة لبنانية حديثة ودولة وطنية لبنانية حديثة وديمقراطية، على سبيل المثال، هو شرط لازم وغير كاف لوحدة سورية ولبنان أو اتحادهما، الشرط اللازم والكافي هو إرادة اللبنانيين والسوريين الحرة أفراداً ومؤسسات دستورية، لا إرادة هذا الزعيم أو ذاك، ولا إرادة هذا الحزب أو ذاك، ولا إرادة هذه الطائفة أو تلك؛ وقس على ذلك.).

[2] - أحمد برقاوي، مسألة الإخفاق العربي، أسبابه وتجاوزه، ورقة نقاشية، مركز دراسات الغد العربي، دمشق، 2005، ص 10

[3] - المصدر السابق نفسه

[4] - المصدر نفسه، ص 11

[5] - هيغل، أصول فلسفة الحق، ص 116

[6] - المواطن السوري، على سبيل المثال، لا يعرِّف نفسه لأي من مواطنيه السوريين على أنه سوري، بل على أنه فلان الفلاني من المحافظة الفلانية أو المدينة الفلانية وعلى أنه معلم أو مهندس أو عامل أو تاجر أو صناعي ... إلخ وعلى أنه ينتمي إلى النقابة الفلانية أو الحزب الفلاني، في حين يعرف نفسه لغير السوريين على أنه سوري أولاً وبقية التحديدات تابعة؛ في الداخل يعرف نفسه لنظرائه وأمثاله في عضوية الأمة، فسوريته، أي انتماؤه إلى الدولة، ضمنية وبديهية، أما في الخارج فإنه يعرف نفسه لأعضاء في أمة أخرى ودولة أخرى، لذلك تغدو سوريته صريحة وضرورية لكي يعرف. العضوية في الأمة علاقة داخلية وتحديد سوسيولوجي، والعضوية في الدولة علاقة خارجية وتحديد سياسي. العربي السوري، على سبيل المثال دوماً، لا يعرف نفسه لأي عربي غير سوري بأنه عربي، لأن لغته العربية كافية للقيام بوظيفة التعارف والتواصل، فالعروبة تحديد عام لا يعرف شيئاً خاصاً بعد، ولا يفيد المخاطب بالمعرفة التي يتوخاها، فالمعرفة هي معرفة المجهول لا معرفة المعلوم

 

 

 

الرئيسية

الشخصية السورية الوطنية

 

لجنة إدارة الخارج

أحزاب سورية

منتدى الحداثة

اتصل بنا

صحافة و إعلام

حقوق الإنسان