المؤتمر التأسيسي 

مقدمة 

الحزب

أفكار و مواقف

الملف الحزبي

بيانات

 

 

 

 كلمة المتحدث باسم الحزب في مؤتمر الاقليات - زيورخ 24-26 .3 .2007

 

 مشكلة الأقليات ... إضاءات  من منظورات متعددة

 

....فراس قصاص

المتحدث باسم حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية

 

أيتها السيدات ... أيها السادة

 

تحتل الأقلية في مجتمع ما ، موقع الآخر بالنسبة للأغلبية  المهيمنة  التي ترى نفسها في تطابق مع الوجود الكلي لذلك المجتمع  ، و بتقديري ،  يتأسس الخلل في العلاقة مع الأقليات و كذلك بالنسبة لكل الظروف القمعية التي تعانيها  ، على إشكالية أكثر جذرية ، إشكالية  العلاقة مع الآخر و التي تزداد تعقيدا و سلبية حين يكون الفضاء المعرفي الحاضن لهذه العلاقة  و المحيط بمكوناتها و حامليها ذو طبيعة قروسطية  ،   فطبيعة العلاقة مع الآخر تتحدد بالقياس إلى الطابع الابستمولوجي و البنيوي لنوع المعرفة و جهتها و مسلماتها وللتراكيب و البنى العقلية و الثقافية المعرفية  المحددة لنوع الشخص البشري   لدى طرفي التفاعل عموما و الطرف المهيمن خصوصا في العلاقة  مع الآخر  ، لذلك سيكون لتحليل هذه العلاقة المشكلة و فهم جذورها  و منطقها الداخلي و مرتكزاتها و ما يحيط بها دور أساسي في  تحقيق إضاءة مهمة ، توصيفية و تشخيصية  لازمة الأقليات موضوع  هذا المؤتمر ، و التي تشكل مدخلا لا غنى عنه لتحديد السبل المجدية  للتعامل معها و معالجتها و من ثم تجاوزها .

و حتى اقترب من الهواجس و المهام التي يعنى بها هذا المؤتمر  ، أركز مساهمتي الأولية على المساحة الجغرافية و البشرية  الحاوية للأقليات  و ممثليها الذين يرعون هذا  المؤتمر و  قاموا بالدعوة إليه ،  وهي  منطقة  الشرق الأوسط ، معتمدا منظورات متعددة

 

منظور أول :

  إن  التفكير في هذا المجال  الجغرافي السياسي و الثقافي المعرفي ، خصوصا أزمة الأقليات فيه مع أزماته الأخرى المتوالدة و المركبة، المتعددة الجوانب و الأنساق و الأبعاد ،و التي تزداد تفاقما و تعقيدا يوما بعد يوم  يعكس إلى  حد بعيد صلاحية الفرضية التي بدأت منها و التي تحيلنا إلى ما هو  تأسيسي و جذري بالضرورة ( ابستمولوجي و بنيوي ) ، فمجمل الأزمات تلك  و على رأسها أزمة العلاقة مع الآخر هيكلية الطابع وهي منتجات ذوات أصول  جذرية تعود إلى العميق في فهم الشرق أوسطيين لأنفسهم و إلى المعنى الذين يخلعونه على وجودهم و على العالم .، بهذا المعنى تتركز المعضلة المحورية في العلاقة مع الآخر في الشرق الأوسط في تصور استحواذي للحقيقة يدعي امتلاكها بشكل تمامي كما يدعي تمثيلها و الذود عنها  طرف دون الآخر ، تصور يلغي الغنى الكينوني للحقيقة و لا محدودية تموضعاتها ،  يتجسد هذا التصور في شاكلة أسطورية وفهم ثنوي حدي ، يكون احدهما صواب على نحو إطلاقي و يكون الآخر خاطئا على نحو إطلاقي أيضا ، و هكذا يبدأ الإلغاء الذي يمارس باسم الحقيقة ، فالتكفير و التخوين و الازدراء و الاستعلاء و القمع و التقييد و اللامساواة تكون محصلات متممة و حتمية لهذا الفهم القروسطي المغلق للعالم و المعنى و الحقيقة و الطرف الذي يتمكن من ممارسة القمع بسبب من ميزة  سوسيولوجية أو سوسيوبوليتيكية  سيمارس قمعه على كل من يشكل له  آخرا  بالضرورة ، و الشرق الأوسط يضج بالكثير من هذه الحالات بل ربما هو البيئة الأكثر تقبلا و توليدا لها ، فالقمع الذي تمارسه  الأغلبية الإسلامية  على الأقليات  المسيحية و الايزيدية مثلا و ليس و حصرا  قمع ينتهك حق الروح البشرية في تحديد خياراتها و إطلاقها للمعنى الذي تنحاز إليه للعالم و الوجود و هو قمع يطال كل الجوانب المادية و النفسية و الرمزية ، و ما يحصل في هذه الحالة يحصل أيضا  لدى المتصارعين  على التصور الإسلامي نفسه ،ففي البيئة الاجتماعية  ذات الأغلبية السنية مثلا تضطهد  هذه الأغلبية  الشيعة و العلويين و الإسماعيلية و بقية التصورات  الدينية الإسلامية التي تكون على تماس معها   طبعا حين تتيح لها  الشروط السياسية ذلك  ،  و العكس  صحيح في الحالة المعاكسة ، دورة من القمع و الإقصاء و الحرب  تتعرض لها كل أقلية تجاور أكثرية و تنسحب الحالة هذه مع تغير المحور المعرف للأقلية و الأكثرية دينيا كان أو قوميا ، أو مذهبيا  ، و الناتج  كم هائل و غير محدد من  العنف و العنف المضاد أو العنف الرمزي و العنف الرمزي المضاد أو الإقصاء و الإقصاء المضاد في دورة لا نهاية لها لهزيمة شاملة و ترد و انحسار و خوف  و غربة عن التاريخ وا نسداد في آفاق المستقبل يعانيه الجميع  ،   لا سيما بقيت المسلمات و الضمنيات التي تتحكم في إنتاج المعرفة لدى الأغلبية  هي مسلمات قبلية و ما ورائية و منتجة من قبل عقل ديني (إسلامي) ماضوي  .       

 

منظور ثان:

 

 إن أزمة الأقليات في الشرق الأوسط ذو الأغلبية الإسلامية هي أحد أهم صور أزمة الأغلبية مع نفسها .. أزمتها مع تاريخها الذي سكن و انقطع عن مغامرة العقل الحديث و كشوفاته الكبرى ، فهي في غربة مع نفسها و استلاب يتفاقم في تحديدها لوجودها نفسه ، فعندما لا  تتحدد الذات إلا من خلال الآخر وعبر  تمايزها عنه ، يكون الآخر نفسه  عاملا مهما في  صوغ الذات   لهويتها ، و تحديدها لوجودها  ، ففي اختلافها عن الآخر  يكون تعينها  ، وفي إلغاء التمايز و عدم الاعتراف به  تقصي الذات ذاتها  و تقصي الآخر  في آن معا  ،  فالآخر حاضر في وجود  الذات و في الدلالة عليها ،  في جانبها التعريفي و الوجودي ،  إنه امتداد لها رغم اختلافه و آخريته   ،   و هو ما يعني في موضوع مقاربتنا  ،  أن اضطهاد ذات اغلبية لأخرى أقلية يحتوي في جوهره على نقض تعريفي مؤسس للذات الأغلبية نفسها ، و بترا لامتدادها ،  الأمر الذي  يفرز لديها   ذلك الاستلاب و تلك الغربة عن الواقع كموضوع وجود ،  و يولد لديها تاليا  نقصا حادا في مقاربته و إدراكه و التفاعل معه ،  و إعاقة لامكاناتها في مواجهته ،  و التماس معه   ، و لعل  في هذا  الاستنتاج بعض مما يفسر حالة التردي المزمنة لمنطقة الشرق الأوسط التي تضطهد أقلياتها الدينية و القومية  في كل المجالات ، و بعض مما  يفسر في الوقت نفسه  حالة التفوق و التقدم الهائلين الذين يميزان المجتمعات السياسية الحديثة التي تعترف بأقلياتها و تعتبرها غنى و تعيش معها في شرط من المساواة و الحرية و العدالة ،

و هذا ما يعني خلاصة ، أن تكريس هزيمة ذات ما  تشكل أغلبية ،   و تشويهها لوجودها ،  يكمن  في أحد أهم وجوهه من خلال عدم اعترافها بالآخر الذي يجاورها و يعيش معها  ،  و هو ما  يشكل من وجهة نظري  فرضية قوية يمكن البرهنة عليها من خلال التاريخ و الواقع الذي تعيشه المجتمعات البشرية.   

 

منظور ثالث :

 

 يميل الكثير إلى اعتبار تعبير الأقلية كمفهوم و مصطلح اجتماعي سياسي بوصفه  تعبيرا  تم  سحبه من نسق دلالي إلى آخر بشكل قسري  و مشوه ، بحيث لا يوحي  استخدام المفهوم في سياقه الأصلي بالأثر و المعنى نفسه بل يغير السياق الجديد في  معنى المفهوم إلى درجة تثير الخلط و الالتباس ، فقد  استخدم تعبير الأقلية أصلا و يستخدم  للدلالة على طرف أو أطراف  اجتماعية  و سياسية  لم تحظ بالقدرة على تعميم رؤيتها الخاصة لإدارة مجمل المجتمع الذي تنتمي إليه ، من خلال عدم  تمكنها من  دفع العدد الأكبر من شركاء الانتماء إلى ذات المجال الجغرافي السياسي  إلى تبني برنامجها و رؤيتها و حلولها هي  لمعالجة حاجات و قضايا  و تحديات الوجود الكلي المشترك  لجميع فئات هذا المجتمع ، و على ذلك فمفهوم الأقلية في هذا السياق مفهوم متحرك و متغير ،طالما المعيار ذاته متحركا ،أقصد المعيار الذي يستند إلى آراء الناخبين و صناديق الاقتراع التي تحدد الأغلبية و الأقلية عند اللجوء الدوري إليها  ،  فالطرف السياسي الذي يعكس حاجات و مصالح فئة من المجتمع و رؤيته و الذي يكتسب وضع الأقلية مؤهل لان يغادره إلى موقع الأغلبية في وقت لاحق ،  بل و هذا ما يحصل عادة ، و هكذا فحيازة القوة و السلطة و توزيعها يتعرض دوما لإعادة صياغة شبه دورية ، ما يمنع طغيان فئة سياسية أو طرف اجتماعي على آخر على نحو تام أو نهائي ، بل ما يحصل في الحقيقة هو الذي يضمن عدم إنتاج الطغيان و الإقصاء و القمع الاجتماعي و السياسي  من قبل أي طرف سياسي على آخر ،

هذا في حين  ينطوي تعبير  أقلية و استخدامه للدلالة على تكوينات دينية أو عرقية في مواجهة أخرى أكثر عددا  على بعد استبدادي و  تبخيسي من الصعب إخفاؤه ، بل هو من الوضوح إلى درجة يمكن تلمسه في معظم تفاصيل الحياة اليومية  التي تعيشها تلك الأقليات دون أدنى صعوبة ،لا سيما و أن الخاصية الأقلياتية التي تعتبر الانتماء الديني أو العرقي محددها الرئيسي تشكل سمة ثابتة يبدو انحسارها أو تغييرها أمرا مستحيلا  ، ما  يجعل تعرضها للطغيان و الاستبداد  أمرا اوتوماتيكيا خصوصا عندما تغيب المنظومة المعرفية أولا و القانونية و السياسية تاليا ، بحيث لا يتاح للأقليات حيازة  مكانها العضوي في المجتمعات الحديثة ، هذه  المجتمعات  التي تحترم  حقوق تكويناتها جميعها  بغض النظر عن حجمها السوسيولوجي  و تحمي حريتها و رموزها وتحديدها للمعنى و آفاقه  بوصفه  جزءا طبيعيا من معرفة تلك المجتمعات التعددية و رؤيتها الحيوية للحقيقة و العالم و السياسة .

 

 

أيتها السيدات أيها السادة :

أخيرا وبعد أن أسجل تضامني  باسمي و باسم حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية مع كل الأقليات المضطهدة في منطقة الشرق الأوسط و كذلك إدانتي لكل أشكال الاضطهاد الذي تتعرض له هذه الأقليات ،  أسجل لديكم  التصور الذي يمثل استراتيجية فهم  و عمل مركزية في حزبنا – حزب الحداثة و هو يمس موضوع الإقصاء و القمع و الاضطهاد الذي تتعرض له أقليات الشرق الأوسط  ،  و هو كالتالي : 

تصور:

لا تتحرر الأقليات في منطقتنا  من شروط القمع التي تواجهها إلا بتحرير كبير للروح  و للشخصية البشرية في الشرق الأوسط  ، الإسلامية منها على وجه التحديد ،  تحريرها من الانغلاق على حقائقها و أوهامها و احتكارها للحق و الحقيقة  ، للخلاص  و النجاة ، الأمر الذي يتطلب مواجهة معرفية للذات الأغلبية في الشرق الأوسط مع ذاتها ،  تنبثق عن ذاتها  و بمساندة رئيسية و ريادية من الأقليات ، منكم أنتم   ، مساندة لبداءات العقلانية و مقدمات التحرير المتفجرة عضويا عن واقع الاغلبيات و بناها ،  مواجهة توظف فيها كل الأدوات و الآليات الممكنة السياسية و الاجتماعية و الزج بها في معركة مصيرية ، و  للغرب المتقدم و الديمقراطي  دور كبير في مساندة الطرف المنتفض ضد الإقصاء و الداعي إلى حقيقة متعددة و تسامح تال و عيش مشترك ، و لعل الإصلاح الديني الجذري للإسلام  بما يحقق فتحه على الفوار و الخلاق و المتعالي ، وتخليصه من انغلاقه و طقوسيته ، من احتكاره للحقيقة  ، من  تكفيره و جهاديته ، و هو ما أعتقد أنه يمثل أحد الحلول المفتاحية  التي تقود إلى انسنة المعتقدات و الفهم و المعاني و الغايات  في الفضاء الإسلامي ، فتلك عوامل محورية مهمة يسبقها أو يتزامن معها بالضرورة  علمنة راسخة و دستورية يجب العمل و الكفاح  من أجلها على الصعيد السياسي في دول المنطقة  ففي هذا ما قد  يؤهل منطقة الشرق الأوسط و عالمنا الذي نحب  إلى ولوج عالم المساواة و الحرية ، عالم الحداثة و الديمقراطية .

 

الرئيسية

الشخصية السورية الوطنية

 

لجنة إدارة الخارج

أحزاب سورية

منتدى الحداثة

اتصل بنا

صحافة و إعلام

حقوق الإنسان