اقتراح موجه إلى الدارة الحوارية في باريس
للحوار فعل جدلي منتج بطبيعته و مخصب ، من حيث هو حصيلة للاعتراف الحيوي بالآخر و تجسيد له و هو لذلك الحاجة الأكثر إلحاحا في الحياة السورية و الفضاء السوري ، لا سيما و أن هذا الفضاء يشكو من ضحالة التفاعلات المنتجة فيه على خلفية الحصار الشمولي المطبق عليه منذ عقود ، حيث وسم البعد الواحد و الرأي الواحد و الحقيقة الواحدة الوجود السوري الحديث إلى أن جمد و سكن و فسد و فقد سمته التاريخية ثقافة ووعيا و خلقا و سياسة .
من هذا المنظور ووفق هذه الرؤية تداعت أطياف المعارضة السورية إلى الحوار حول الشأن السياسي السوري بمبادرة أولى من المعارض السوري أكثم بركات الذي أراد لهذه الدارة أن تكون سورية الفحوى و العناصر و المنتج ، بداية بالتمويل الذي أخذه على عاتقه الشخصي و نهاية بأدق تفاصيله ، على أن يكون هذا الحوار المزمع إطلاقه مفتوحا على كل الأسئلة و الهواجس و مجتاحا لكل المصادرات و المسلمات و منتهكا لكل السياجات الدوغمائية المغلقة التي عزلت العقل السياسي السوري إبان التغول السياسي - الأمني و تقليص المجال العام الذي سهرت على رعايته و إرسائه سلطة القمع و القسر السورية لمدة تزيد على أربعين عاما .
على أننا لا نعتبر أن هذا الانفتاح و ذاك الاجتياح و ذلك الانتهاك أهدافا بحد ذاتها بقدر ما هي أدوات مطلوبة من أجل نزع التسكين و تفكيك المثبطات و تفجير الايدولوجيا التي عانى منها الوعي السياسي السوري و لا يزال ، وعلى أن يكون استخدام تلك الأدوات مجرد مقدمة ضرورية للتركيب التالي على أي تفكيك يسبقه ، تركيب يستند إلى معايير و مرجعيات تحريرية و مؤنسنة .
لذلك فالحوار الذي نقترحه و نسعى لتأسيسه هو حوار حول المعايير و بحث في إشكاليات التعيين و التحديد لما هو ذو كفاءة و فعل في واقع المعارضة السورية و في الوقت نفسه شرعي و صائب و عادل و محقق للشخصية السورية ورافع لشأنها و صاين لإرادتها ، حوار يتطلب تأملا و هدوءا و إرادة للتجاوز و المراجعة من جهة وإصرارا على تفاد استراتيجي للتبريرية و التسويغية و الانحدار كونها مطبات خطرة من جهة أخرى ، واعين أن الطريق إلى ذلك يتم من خلال التسلح و الالتزام بالمنهج النقدي المسئول و الهادئ ،العلمي و الحيادي ، و زاعمين أن حوارنا هذا هو الأول من نوعه الذي يسعى بشكل مشترك لبلورة هذه الأسس و المعايير خارج التخندق الإيديولوجي و الانغلاق على منطق داخلي متعسف .
و للمزيد من التحديد نقترح كبداية لهذه المهمة الشاقة و الوعرة أن نطرح على دارتنا بعض الأسئلة اليوم و نسعى إلى التفكير و الحوار حولها بحثا عن الإجابة المشتركة عليها مدركين أن لقاءنا اليوم مجرد بداية لا بد أن تستكمل في مناسبات قادمة .
فما هي مساحات العمل التي تحقق للمعارضة السورية الكفاءة و المشروعية في مهمتها و دورها السياسي الاجتماعي ووفق أية معايير .((المثال التجسيدي المناسب للحوار حوله ( جدوى و مشروعية العلاقة مع رفعت الأسد و خدام ، جدوى و مشروعية العمل و التنسيق مع الغرب أو الولايات المتحدة الأمريكية )
و ما هو دور كل من الداخل المعارض والخارج المعارض في موضوع التغيير السوري و كيف يمكن تصويب العلاقة بينهما
لعلها أسئلة يمكن أن نبدأ بها على خلفية إلحاحها و حضورها كهواجس و في كونها تحيل على الأغلب إلى جو و ثقافة سياسية سورية ساكنة و لا تاريخية ذات سطوة ، ثقافة مغرمة بالثنائيات المتضادة والأجوبة الحدية ، أجوبة تشكل جذر الموقف السياسي و بدايته و ليست استجابة أو ردا واعيا على أسئلة تبدأ منها المعرفة السياسية ، فمشكلة المعرفة و الموقف منها و البحث في رهانات المعنى أي معنى له بدايات ، هي أسئلة حتما .... أسئلة حول موضوع المعرفة و أسئلة حول معايير البحث فيها ، أدواته و مناهجه .
فهل يمكن أن نحوز معرفة و ثقافة سياسية سورية علمية و تاريخية و منتجة دون أن نبدأها بأسئلة ... أسئلتنا نحن ، في حدود تماساتنا مع العالم في كل دوائره و حدوده .
فراس قصاص المتحدث باسم حزب الحداثة و الديمقراطية