أزمة التجربة الحزبية السورية
لا يمكن الفصل بين التجربة الحزبية لمجتمع ما عن تجربة الدولة بوصفها تعبيرا سياسيا و منظما له ،فكلتيهما تجسدان على نحو ما شكل الحضور الاجتماعي بتفاعلات علائقه و محدداته و تكويناته المختلفة ، كما أن كلتيهما تمثلان أنموذجين حديثين للتعبير عن الوجود و التفاعل الاجتماعي المنظم يتم عبرهما ومن خلالهما الحركة و الصيرورة الاجتماعية و الانخراط في مجرى التاريخ المجتمعي المحلي و العالمي .
و قد لا يحتاج لإثبات أن العقلانية الحديثة هي وحدها الفضاء المعرفي الذي استبق ثم أحاط بكل تشكل حقيقي و منسجم و عصري لمفاهيم الحزب- المجتمع السياسي –الدولة ، ...و على ذلك لا يعدو القول بإمكانية أن تعبر هذه التشكيلات الحديثة عن وجود اجتماعي عتيق و ناشز يحكمه فكر أسطوري وعقل قروسطي ديني كما هو الحال بالنسبة لسورية إلا أن يكون مجرد مغالطة فكرية أو إسقاط إرادوي مغامر ، فالمراقب للحال السوري المضطلع على التاريخ الثقافي و المعرفي لسورية و المنطقة عموما يدرك أن النظام المعرفي السوري هو نظام لا تشغل العقلانية الحديثة فيه أية مساحة ، فكل الضمنيات التي تتحكم بإنتاج المعرفة فيه هي ذات اصل ديني متعالي ، حيث تتموضع الحقيقة و و كذلك الحق في لحظة الوحي التي يعبر عنها النص الديني ، فهي لحظة تدشين وجودي لا يمكن تجاوزها ، كلما اقتربنا منها و تمت محاكاة نموذجها يكون نجاح وجودنا الاجتماعي في هذا العالم مضمونا ، و في هذا النموذج يفعل المجموع في الفرد فعله الشمولي لمصلحة إلغائه ، و تشتغل كل الآليات الناشئة عن تفاعل مكونات هكذا مجتمع على طريق تأبيد القيم في منحى الأرثوذكسي للحق المتمثل في الحقيقة الدينية ، و كل ما هو خارجها خارج على الحق و الجماعة و عرضة للحرابة و التكفير .
و حتى تصبح مقاربة التجربة الحزبية في إطارها المجتمعي السوري ممكنة ، سيكون علينا أولا أن نعين مفهوم الحزب و نضبط حدوده ، من خلال فهم بنيوي و شامل لمصطلح الحزب السياسي ، و هو الفهم الذي يكشف لنا فقر و سطحية و نقص تعريفه الدارج في أنه مجموعة محددة من الأفراد تقدم تصورا وآلية اومنهجا محددا للتعامل مع البنية الكلية للوجود المجتمعي بأبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ،
إن الحزب و فق المنهجية الشاملة و البنيوية التي أردناها تصل إلى مستوى أعمق تضيف للفهم الدارج انف الذكر أن الحزب أولا هو ذلك التشكل الحديث و البناء التاريخي الذي كانت كانت له مشروطياته المعرفية الخاصة (و التي لا تزال غير متوفرة في العالم السوري ). إنه الوليد التاريخي للمرحلة التاريخية التي أفرزتها عصور النهضة و الأنوار و الثورة الصناعية للغرب هذه العصور التي أنجبت و احتضنت عملية تغير المعرفة بشكل ثوري، حيث تقوضت كل الأسس و الأركان السابقة للمعرفة البشرية القروسطية في شكلها و منهجها ومرجعياتها المؤسسة ،و أصبح البشر على الأرض و لأول مرة مصدرها ومحدديها وغايتها ، وقد حدث ذلك بالتزامن مع انبثاق قطيعة معرفية و نفسية مع المواقف السابقة للعقل البشري في طريقته للإدراك و التفكير و المعرفة .. البنى العقلية و النظم المعرفية بوصفها عوامل ضبط جذرية للوجود بالمعنى الفلسفي و الاجتماعي للكلمة . هذه البنى العقلية السائدة في مجتمع ما هي الحاكم الفعلي المحدد لنوع الشخص البشري الذي يسم أي إطار اجتماعي بسماته ، بحيث يكون في المحصلة صاحب القيمة المركزية في هوية ذلك الإطار و ديناميته.
و إذا كان الفرد الحر المستقل هو نواة المجتمع المدني الأولى و هو مع المجموع ( اتفاق الأفراد المستقلين ) المنتج الرئيسي للقيم و القانون على أساس أن الحياة الاجتماعية تستمد قوانينها من ذاتها بواسطة الوعي المستقل للإنسان و لأجل الإنسان فقط دون أدنى تدخل من السماء و المتعالي ، و على خلفية أن القيم الدينية و الإسلامية منها على وجه الخصوص لا تعترف الا في كونها المصدر النهائي و الوحيد للحقيقة و الخلاص حتى في هذا العالم ، يتأكد لنا التناقض الكبير بين وظيفة الحزب السياسي بوصفه نتاجا حديثا و بين بنيته التي يحتل فيها الفرد ( الحزبي ) دورا بنيويا ، فالفرد بصفته ذاتا مستقلة و عقلانية و متحررة غائب في عالمنا السوري ، حيث الثقافة الدينية المهيمنة في سورية ( قيم ، رموز ، و عي و مخيال جمعي ،..الخ ) لا يمكن أن تولد ذواتا حرة أو عقلانية أو حديثة ، و لا اعتقد أن هناك من يستطيع أن يدعي بان الفرد السوري واع بذاته المستقلة وفق هذا المعنى أو انه متحرر من الرؤية الدينية للعالم و من تحديداتها المعرفية
فهل الفرد الذي يعتبر الحرية حتى في أبسط أشكالها ( الشخصية ) ، فكرا أو ممارسة ، زندقة و إباحية ، و الذي لم تؤسس في منهج المعرفة الذي يتحكم بكل تفاصيل قراءته و وعيه و مواقفه قيم الاختلاف و التسامح و التعددية و الذي يعي الحقائق على أنها أطراف في ثنائيات حدية متضادة ( خير -شر ، أبيض أسود ، حق - باطل ، عذاب - نجاة ، كافر - مؤمن ) و يتقوقع في فكرة الفرقة الناجية التي لا يستطيع مغادرتها الى وعي مدني و عقلاني ، و لمن تعرض لقسر الحقائق الاجتماعية و البطريركية في العائلة و لم يألف الاستقلالية في الفكر و السلوك ، هل له ا أن يكون فعالا و إيجابيا في عمله الحزبي أو أن يكون متفهما لحقائق العصر وواعيا لتحديات المحيط السياسي و التعامل معهما بعلمية و مسؤولية ، هل له أن يمارس عملا سياسيا عقلانيا و علميا ، حديثا و فعالا ، أم إنها مستحيلة بالمعنى التاريخي ، لإنها تتعاكس و الشرط الثقافي و التاريخي المنمط لكينونته .
لذلك ألا يكون مألوفا لدينا صورة ذلك الحزبي المؤمن مطلقا بكاريزم الحزب المؤسس و الزعيم و القائد ، المطمئن للسكون و الواثق بالأقدم ، و أن تكون علاقته مع الجديد محل رفض دوما ، فهو لا يؤمن بالجديد ولا الأفكار الجديدة و لا الدم الجديد .. و هل يمكن لعلاقته مع الحزب أن لا تتحكم بها انتماءاته الاعمق و الأرسخ ( العائلة ، القبيلة ، الدين ، الطائفة )، أو ليس غالبا ما تطفو هذه الانتماءات على السطح عندما تواجه الحزب مسائل أكثر مصيرية، و عندها إما يكون قرار الحزب على هواه , و هوى زمرته ( المحددة بوعي غير مدني ) أو لا يكون الحزب .وحينها أيضا يتطور ذلك الاصطفاف الشاذ على نحو أكثر انسجاما مع تكوينه الانف الذكر . بمعادلة مفادها إما الآخرون على خطه الفكري ( الصحيح – المستقيم ) و إلا الآخر كافر -خائن و عميل . حينها ألا تصبح بقية الظواهر الحزبية التي ميزت التجربة الحزبية و السياسية على نحو عام في سورية مفهومة و مبررة أيضا ، فسيطرة العسكريين في الحزب على المدنيين، و خارطة الانشقاقات الواسعة و الدائمة ، و تدجين الأحزاب السياسية تحت مسميات تتلاعب بالحقائق ، وظاهرة عبادة القائد و سيطرة الأمين العام ووراثة الأمانة العامة للحزب كلها تصبح مجرد تحصيل حاصل
إن عدم أخذ طبيعة البينية المعرفية للمجتمع السوري المناقضة لأشكال و مضامين التعبير الحديث عن الوجود الاجتماعي و السياسي بعين الاعتبار لدى النخبة السياسية و عدم اهتمامها بتأثير النواظم القيمية و الرؤى الأسطورية للذات و العالم على هذه الأطر و التعابير ، جعل التجربة الحزبية في سوريا من وجهة نظرنا مسيرة نكسات شاملة و تشظيات دائمة ساهمت في الضياعات المعنوية و الماهوية التي يعيشها الوجود السوري منذ ولادة سوريا كدولة عضو في المجتمع الدولي و إلى الآن ، فيكفي فقط أن نقرأ تجربة حزب واحد في سورية لنعرف تجارب الأحزاب الأخرى ، إنها نسخاً مكرورة في بنائها و أزماتها و مشاكلها و إحباطاتها ، كلها مشاريع تحمل عوامل تفجرها الداخلي للتناقض بين مضمونها و ما ينبغي أن تعبر عنه ، بين كيانها المادي ووحداتها البنائية.
لذلك كان من الطبيعي أن تكون آلية و طرائق اشتغال كل الأحزاب السياسية السورية متشابهة إلى درجة كبيرة إن لم تكن متطابقة (فهي كما أسلفنا منتوج فضاء معرفي واحد )، فما ينطبق على حزب يساري يمكن أن ينطبق على يميني ، و لم يكن ليسمح اختلاف مضامينها الفكرية و السياسية و لا حتى مرجعياتها النظرية في أي تعديل تطبقه على شكل و مضمون ممارستها السياسية أو في صياغتها على نحو مختلف ، فآليات عملها واحدة على المستوى العميق ، تستند إلى الحدية ذاتها ، ترفض الآخر ، تدعي و تحتكر الحقيقة الكلية ، تمارس الاستبعاد و الحذف و التبجيل بما يتماشى مع حاجياتها و إغراء مصالحها في صراعها من أجل مواقع السيادة في المجتمع .
لقد تعدت الأزمة في الممارسة السياسية لهذه الأحزاب عتبة المحصلة ، لتصبح ممارسة تجذيرية للأزمة المعرفية مقوية من شروط إعادة إنتاجها لذاتها ، فاستخدامها لوسائل التجييش الحديثة و صناعة الرأي السياسي زاد من تمويه مواقفها و دفع قروسطية المعرفة و تأخرها الجذري إلى مستوى عميق بعيدا عن البحث و التشخيص ، فخضوعها للبراغماتية الفجة من خلال استخدامها خطابات تبجيلية أو مواربة اعتبرت من خلالها أن السوريين لديهم الجهوزية المعرفية الكافية لتبني الديمقراطية ، و أن ذلك أمرا مسلما بدهيا ، بضغط الصراع على السلطة و الثروة و مواقع النفوذ أو ربما تحت إلحاح مكاسب سياسية بحاجة أليها بعض القوى السياسية ذات الوعي الرغبوي الإرادة الرومانسية للنهوض بالمجتمع و الواقع السوري دون ايلاء الاهتمام بالتشخيص العميق للأزمة السورية .
فتغنت كثير من هذه الأحزاب خصوصا في مرحلة ما قبل الاستقلال و بعد الاستقلال بسنوات قليلة ، بالديمقراطية و رفعتها شعارا براقا و نادت إليها في كل المناسبات ، لكنها واربت عن استحقاقاتها الفكرية و المعرفية فلم تخلق أطر ثقافية اجتماعية- سياسية- ديمقراطية تؤسس للديمقراطية و الحداثة في الحياة العامة السورية ، وتؤمن المعطيات المختلفة التي تساهم في إيجاد البيئة المناسبة لإنجاحها ، هذا إن كانت واعية لذلك
خلاصة :
لقد كانت الأحزاب السورية بنى حديثة شكلا و صورة ، أما مادتها و عناصرها الهيكلية فمهترئة ، مارست الترقيع الأيديولوجي بنسب متفاوتة و لملمت جملة عناصر عقائدية لتكون منها بنيانها الأيديولوجي معبرة بذلك عن ممارسة صرفة لنوع بدائي من الفكر .
لقد كانت أبنيتها دون أساس حقيقي ،هشة قليلا من الوقت يكفل انهيارها على رؤوس أصحابها و هذا ما حدث و لا يزال يحدث .