-equiv="Content-Language" content="ar-sa"> حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية

المؤتمر التأسيسي 

مقدمة 

الحزب

أفكار و مواقف

الملف الحزبي

بيانات

*ثورة فكرية في تاريخ الإسلام: قراءة في مشروع محمد أركون (2)

هاشم صالح

ما هي المسألة الأساسية في عصرنا بعد مشكلة الأكل والشرب والتنمية وتقليص الفقر بطبيعة الحال؟ إنها مسألة المصالحة بين الإسلام والحداثة أو بين الإسلام وروح العصور الحديثة. فلأننا لم نجد حلا ناجعا لهذه المشكلة حتى الآن فان مجتمعاتنا انقسمت إلى قسمين متصارعين: الأول يشد إلى الأمام والثاني إلى الخلف، الأول تقدمي تنويري والثاني تراجعي أصولي. ولكن هناك تيار وسطي بين بين... وهكذا دخلنا في حروب أهلية صريحة أو مستترة على طول العالم الإسلامي وعرضه. بل وأصبحنا مشكلة العالم كله بعد جريمة 11 سبتمبر وما تلاها أو سبقها من جرائم.

أقول ذلك وأنا أفكر بما عانته الجزائر طيلة السنوات العشر السوداء المريرة. ولا يمكن بالتالي أن تبقى الأمور على ما هي عليه. فالمثقفون هم قادة الأمة وينبغي أن يتحركوا لمواجهة هذا الوضع الذي لم يعد يحتمل أو يطاق. فإما أن ننجح في بلورة تفسير جديد لديننا وتراثنا، أقصد تفسيراً عقلانياً مستنيراً هادياً مهديا" وإما نترك الساحة للمتزمتين الظلاميين يصولون فيها ويجولون ويشوهون صورتنا على مستوى العالم كله.

وهنا يساعدنا فكر أركون كثيرا لأنه طرح هذه الإشكالية من أوسع أبوابها وبالعمق اللازم. كل أبحاثه ما هي إلا عبارة عن قراءة نقدية للتراث الإسلامي على ضوء العلوم الإنسانية الحديثة. كلها عبارة عن مقارعة عميقة بين التراث والحداثة، بين الأصالة والمعاصرة. ولا يعني ذلك أنه يسلم للحداثة بكل شيء ويرفض من التراث كل شيء وإنما يعني أنه يضيء هذه بذاك والعكس صحيح أيضا. فالحداثة على الرغم من إنجازاتها التحريرية الكبرى إلا أن لها مزالقها أيضا وشططها وانحرافاتها. ونحن لسنا مضطرين لأن نأخذ كل شيء أو نرفض كل شيء وإنما نأخذ ونرفض: أي نختار ما يتناسب مع شخصيتنا وأصالتنا التاريخية ونطرح ما عداه. وفي التراث العربي الإسلامي قيم روحية وأخلاقية عليا لا يمكن لعاقل أن يضحي بها. و لكن كل هذا لا يتوضح جيدا إلا من خلال المقارعة أو المواجهة بين تراثنا العريق والحداثة العالمية. على هذا النحو كنت أفهم فكر أركون ولا أزال. ولهذا السبب لفت انتباهي أكثر من غيره وتعلقت به. فهو يضع التراث كله على محك الحداثة ويضع الحداثة كلها على محك التراث. وعن طريق هذه المواجهة الدقيقة والصارمة تنتج إضاءات ساطعة، تحريرية، رائعة.

والواقع أن أركون يفرق بين نوعين من الحداثة: الحداثة المادية والحداثة العقلية. فقد يستطيع مجتمع ما كالمجتمعات الخليجية البترولية مثلا أن يستورد كل أنواع الحداثة المادية وتجهيزاتها وأدواتها ومع ذلك يظل مجتمعاً تقليدياً متخلفاً بل ومتعصباً جداً من الناحية الدينية. وهذا الشيء أصبح واضحاً الآن لكل ذي عينين، بل إن المسؤولين في هذه البلدان أصبحوا يعترفون به ويدعون إلى إصلاح برامج التعليم التي تفرخ المتطرفين تفريخا وبشكل أتوماتيكي. هذا ما لاحظناه من خلال البيان الختامي لمؤتمر القمة العربية الذي عقد في السعودية مؤخرا.

يقول أركون في آخر تصريحاته ما معناه: كل فكر نقدي عقلاني عن الدين ممنوع في المجتمعات الإسلامية والعربية من قبل الأنظمة الحاكمة ومعارضاتها الأصولية على حد سواء. ولذا فان تعليم الإسلام من المدرسة الابتدائية إلى الجامعة يظل حتى الآن في أيدي التقليديين المنغلقين على الحداثة وفتوحاتها العلمية والفلسفية. وبالتالي فإذا لم يحصل إصلاح جذري لبرامج التعليم السائدة فسوف يظل الأصوليون مسيطرين على الساحة ولن تنفع محاربتهم أمنيا ولا حتى عسكريا. ينبغي أن يواجَهوا فكرياً وعلى أرضية التراث الإسلامي نفسه. ينبغي أن نقدم قراءة جديدة مقابل قراءة قديمة، أو تأويلاً جديداً للإسلام غير هذا التأويل القديم الذي عفى عليه الزمن ولكن الذي لا يزال راسخ الجذور حتى الآن. وهو الذي يخلع المشروعية القداسية على أقوال المتطرفين وأفعالهم. وعندئذ ينكشف مدى جهلهم وقصورهم ليس فقط بالحداثة العالمية وإنما أيضا بالحداثة العربية الإسلامية التي أشعت على العالم كله انطلاقا من بغداد والقاهرة وقرطبة والأندلس الزاهرة. وهذا يعني أن الفهم السائد عن الإسلام حاليا في العالم العربي متخلف عن فهم كبار علمائنا وفلاسفتنا في العصر الكلاسيكي قبل ثمانمائة سنة أو حتى ألف سنة! إنه متخلف عن فهم أبي الحسن العامري وأبي حيان التوحيدي ومسكويه وابن رشد وكل أولئك الذين وفَّقوا بين العقل والدين أو بين الإسلام والفلسفة الأرسطوطاليسية.

ويرى أركون أن السياسة التعليمية التي اتبعت بعد الاستقلال هي المسؤولة عن نمو حركات التطرف والإكراه في الدين والتي اكتسحت الساحة مؤخرا كالطوفان الهادر.. فلو أن المسؤولين لم يوكلوا مهمة تعليم الأجيال للتقليديين المنقطعين عن حركة العلم والعقل لما حصل كل ما حصل. وأكبر دليل على ذلك ما حصل في الجزائر التي استقبلت بعد الاستقلال الكثير من الأصوليين المصريين الحاقدين على عبد الناصر. فكان أن حصدت بعد عشرين سنة فقط كل ذلك التيار الهادر من جبهة الإنقاذ والحروب الأهلية... وبالتالي فلولا انعدام السياسة التحديثية فيما يخص الثقافة والبحث العلمي وبرامج التربية والتعليم لما حرم الإسلام من حصول تطور إيجابي مشابه لما حصل في المسيحية الأوروبية. فالفكر التحريري أو المحرر للعقول هو ابن الحداثة في نهاية المطاف. وقد آن الأوان لأن يتوصل العالم الإسلامي إلى الحداثة ولأن يقبل بفتوحاتها وإنجازاتها الإيجابية دون قيد أو شرط مع طرح شططها وسلبياتها بطبيعة الحال.

لهذا السبب يدعو محمد أركون إلى التحرير الثاني للمغرب الكبير ولكل العالم العربي الإسلامي دون استثناء. ما الذي يقصده بالتحرير الثاني؟ إنه يقصد ما يلي: لقد انتهت مرحلة التحرير الخارجي ضد الاستعمار وبقي علينا أن نقوم بالتحرير الداخلي ضد التخلف وسوء التنمية والجهل والتعصب الأعمى والفهم الخاطئ للدين. بمعنى آخر: لقد انتهت مرحلة الجهاد الأصغر وابتدأت مرحلة الجهاد الأكبر، أي الجهاد ضد الذات وضد انحرافاتها ونقائصها واعوجاجها وتأخرها.

هل من قبيل الصدفة أن يكون هذا البلد الصابر المجاهد -الجزائر- الذي دفع أكبر ثمن للتحرير الخارجي من الاستعمار الفرنسي -ثورة المليون شهيد- وأكبر ثمن للتحرير الداخلي مائة ألف قتيل أو شهيد إبان السنوات العشر السوداء لا أعادها الله- أقول هل من قبيل الصدفة أن يكون هذا البلد العظيم هو الذي أنجب أكبر مفكر في تاريخ الإسلام منذ ابن رشد وحتى اليوم؟ لا أعرف. كل ما أعرفه هو أن تحريرنا من الوعي الخاطئ والتصورات الأسطورية اللاتاريخية عن تاريخنا وتراثنا كان الشغل الشاغل لمحمد أركون على مدار نصف قرن من البحث والعمل والنضال الفكري العميق، ولا يزال. فما لم يحصل فهم عقلاني للدين الإسلامي، فهم يصالح بين العلم والإيمان أو بين الفلسفة والدين، كما فعل ابن رشد في وقته فلا حل ولا خلاص. انظر كتابه الشهير: "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال". عندئذ استطاع ابن رشد أن يقيم المصالحة بين تراثنا الإسلامي العريق وبين الفلسفة الارسطوطاليسية التي كانت تشكل الحداثة الفكرية بالنسبة لذلك الزمان. وهو نفس المشروع الذي يحاول محمد أركون أن يحققه حالياً مع الأخذ بعين الاعتبار لكل الفجوة الزمنية الشاسعة التي تفصل بين عصرنا وعصر ابن رشد ومسكويه والجاحظ والتوحيدي وأبي الحسن العامري وكل التيار الإنساني العقلاني الذي ازدهر يوما ما في أرض الإسلام قبل أن ينقرض ويموت بموت الفلسفة الكلاسيكية.

فابن رشد توفي عام 1198 وتفصل بالتالي بيننا وبينه مسافة ثمانية قرون على الأقل. وفلسفة أرسطو لم تعد كافية. فهناك فلاسفة كبار ظهروا بعده وبعد موت ابن رشد وتوقف الفكر الفلسفي عندنا في الجهة الإسلامية. يكفي أن نذكر من بينهم: ديكارت وكانط وهيغل وماركس ونيتشه وفرويد وهيدغر وكل الفلسفة المعاصرة وبخاصة فلسفة الدين وتوسيع فهمنا أو إدراكنا له. يضاف إلى ذلك أن أركون يطبق مناهج العلوم الإنسانية على تراثنا العربي الإسلامي لإضاءته من الداخل بكل تمكن واقتدار وبشكل لم يسبق له مثيل حتى الآن. فكتابه مثلا "قراءات في القرآن" يبتدئ أولا بتطبيق المنهج الألسني الحديث يتلوه المنهج التاريخي فالمنهج الاجتماعي السوسيولوجي فالمنهج الأنثربولوجي وأخيرا التقييم الفلسفي الشامل. وهكذا يمكن الإحاطة بالنص الديني أو بالظاهرة الدينية من كل جوانبها.. وعندما نطلع على كل ذلك ونستوعبه جيداً ندرك مدى الفرق بين الفهم العقلاني الحديث للدين وبين الفهم التقليدي الجامد المسيطر على عقولنا منذ مئات السنين.

لا يمكن أن نتحرر من النزعة المذهبية والطائفية التي تهدد العراق وغير العراق بالتفكك والحروب الأهلية والتفجيرات العمياء والمجازر الجماعية إلا إذا خرجنا من هذا الفهم الظلامي الطائفي القروسطي للدين وتبنينا الفهم العقلاني المتسامح الحديث الذي يبلوره أركون حاليا بالإضافة إلى بعض المفكرين الآخرين داخل العالم الإسلامي وخارجه. لهذا السبب بالذات أمضيت كل تلك السنوات الطوال في ترجمة نصوصه إلى العربية وشرحها والتعليق عليها. كنت أعرف مسبقا أننا سنصل إلى هنا وأن مشاكل المجتمعات العربية أو الإسلامية سوف تنفجر في وجوهنا دفعة واحدة. وهذا ما حصل بالفعل لاحقا. وبالتالي فالمسألة ليست مسألة أكاديمية فقط وإنما هي مسألة حياة أو موت، وجود أو عدم وجود.

بعد أن وصلت في الحديث إلى هذه النقطة سوف أقول ما يلي: لن نتوصل إلى تحقيق المصالحة بين الإسلام والحداثة إلا إذا قمنا بغربلة نقدية شاملة وراديكالية لموروثنا القديم كما فعلت الأمم المتقدمة في أوروبا بالقياس إلى أصوليتها المسيحية التي لم تكن تقل عنفا وجبروتا وظلامية عن أصوليتنا الحالية. لهذا السبب قلت: ينبغي أن نكنس أمام بيتنا أولا، لا أن نلقي المسؤولية دائما على الخارج لكي نعفي أنفسنا من المسؤولية. هذا موقف غير مسؤول ولن يؤدي إلى أي نتيجة ولكنه شائع للأسف لدى العديد من المثقفين العرب أو أشباه المثقفين. بهذا المعنى فإن فكر أركون يقدم نفسه كبديل عن الفكر الأصولي الماضوي الانغلاقي الذي يسيطر الآن على مدارسنا وجامعاتنا وليس فقط على معاهدنا التقليدية وكليات الشريعة. بل إنه يسيطر على الشارع العربي من المحيط إلى الخليج، هذا ناهيك عن الشارع الإسلامي ككل من المغرب الأقصى إلى الباكستان. وبالتالي فالمسألة كبيرة وضخمة إنها مسألة القرن الحادي والعشرين بدون أدنى شك.

وميزة مشروع أركون على كل المشاريع الأخرى التي اكتسحت الساحة العربية مؤخرا هي أنه يواجه المشاكل الحارقة وجهاً لوجه ولا يتحاشاها. إنه يريد أن يدخل الحداثة إلى ساحة الفكر الديني نفسه وليس فقط إلى ساحة الثقافة بشكل عام. فالمماحكة الكبرى التي جرت بين العقل الديني والعقل الفلسفي أو العلمي على مدار القرون الأربعة الماضية هي التي صنعت مجد الغرب. يضاف إلى ذلك أن الحداثة لا تكون فقط باستيراد الآلات التكنولوجية أو المخترعات الحديثة. فتحديث العقل هو الأصل وما الآلات والمخترعات إلا نتيجة لذلك أو تحصيل حاصل. وبالتالي فلا يمكن الفصل بين الحداثة المادية والحداثة العقلية كما يتوهم المحافظون التقليديون عندنا. فالحداثة إما أن تكون كاملة، متكاملة، أو لا تكون. وقد أخطأنا كثيرا عندما سلمنا تعليم الشبيبة بعد الاستقلال للمنغلقين فكريا والمضادين لكل أنواع الحداثة الفكرية والعقلية. وجنينا الثمر المر لاحقا. وبالتالي فالمهمة الأصعب لا تزال أمامنا: تفكيك التعليم القروسطي التقليدي للدين وإحلال التعليم الحديث محله على كافة الأصعدة والمستويات من المدرسة الابتدائية وحتى الجامعة.

هذا هو بحسب فهمي جوهر المشروع الأركوني منذ نصف قرن وحتى اليوم. وكل معاركه الفكرية التي خاضها تدور حول هذه الجبهة بالذات. فهو يقدم تأويلا جديدا للتراث الإسلامي غير التأويل التقليدي الراسخ رسوخ الجبال. ولكن لا أعتقد أن فكره سوف ينتصر في العالم الإسلامي قبل عشرين أو ثلاثين سنة قادمة. وذلك لأن زحزحة الجبال أسهل من تغيير العقليات! فأنت لا تستطيع أن تناضل ضد ألف سنة من الجمود العقائدي الفكري وتنتصر بين عشية وضحاها.

لا أستطيع أن استعرض هنا كل أطروحات محمد أركون أو كشوفاته المعرفية عن التراث العربي الإسلامي. فهذا امر يتطلب عدة مجلدات. ولكن يكفي ان نقرأ تحليلاته عن سبب صعود الحضارة العربية الإسلامية في العصر الكلاسيكي ثم سقوطها المدوي بعدئذ لكي نفهم ذلك. وبهذا الصدد كثيرا ما نجده يلح على خطورة الدور السلبي الذي لعبه الخليفة العباسي القادر بالله الذي انتصر للحنابلة ضد المعتزلة عام 1017 أي قبل ألف سنة تقريبا. ومعلوم أنه نشر آنذاك نص الاعتقاد القادري وعممه على كل جوامع بغداد باعتبار انه يمثل الاعتقاد الصحيح في الإسلام وكل من ينحرف عنه قيد شعرة يصبح مهرطقا أو زنديقا أو خارجا على الإسلام. وفيه يبيح دم المعتزلة أي المذهب الأكثر عقلانية في الإسلام قائلا بالحرف الواحد: "ومن قال أنه مخلوق (يعني القرآن) على حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم بعد الاستتابة منه". بمعنى أنه إذا لم يتب ويتراجع عن رأيه يقتل.

على هذا النحو أغلق القادر بالله بقوة السلطة وحد السيف تلك المناقشة الكبرى التي جرت حول خلق القرأن منذ عهد المأمون بين المعتزلة والحنابلة والتي انتهت بانتصار هؤلاء الأخيرين منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا. لقد انتصروا إلى درجة أن المسألة طمست كليا وأصبحت تشكل نوعا من المحرمات أو التابو الخطير الذي لا يتجرأ أحد على الاقتراب منه أو إثارة ذكراه مجرد ذكر. لقد تحولت مسألة خلق القرآن إلى نوع من اللامفكر فيه أو الممنوع التفكير فيه منعا باتا داخل العالم الإسلامي بطوله وعرضه على مدار ألف سنة: أي حتى الآن. وكان أن نتجت عن ذلك أشياء خطيرة ليس أقلها منع أي تفسير تاريخي للقرآن وبالتالي عرقلة التطور داخل العالم العربي والإسلامي ككل.

كل الانسداد التاريخي الذي نعاني منه حاليا ناتج عن هذه القصة. كل الصدام المروع الحاصل حاليا بين العالم الإسلامي والحضارة الحديثة ناتج عن هذا الانغلاق الفكري المزمن والطويل والذي لا يتجرأ أحد على فتحه أو مناقشته بشكل عقلاني هادئ. ليفهم كلامنا جيدا هنا: إن المعتزلة لا ينكرون أبدا الأصل الإلهي أو الاستلهام الرباني للقرآن. ولكنهم يقولون بأنه مكتوب بحروف لغة بشرية هي هنا اللغة العربية وطبقا لنحوها وصرفها الخ... وبالتالي فيحق لنا أن نفسره بشكل مجازي لا حرفي على عكس ما تفعل الحنابلة. فإذا قال القرآن مثلا: يد الله فوق أيديهم، فإنهم يأخذون العبارة على حرفيتها ويعتقدون بان لله يدا كبقية البشر ولكنها اكبر وأعظم. وأما المعتزلة فيأخذونها مجازيا ويقولون بان اليد تعني هنا القدرة أو الاستطاعة. وبالتالي فيصبح معنى الآية: قدرة الله فوق قدرتهم أو استطاعته فوق استطاعتهم.. وقل الأمر ذاته عن الجنة والنار وبعث الأجساد لا الأرواح فقط يوم القيامة وغير ذلك...

لا أعرف فيما إذا كان المعتزلة قد أنكروا بعث الأجساد ولكن الفلاسفة الذين مشوا في العقلانية خطوة إضافية إلى الإمام أنكروه. وعلى هذا لامهم الغزالي وكفرهم من جملة أشياء أخرى بالطبع.. وبالتالي فلو انتصرت أطروحة المعتزلة القائلة بأن القرآن حادث أو مخلوق بحرفه ولفظه على الأقل لكنا استطعنا الآن أن نطرح مسألة تاريخية النص القرآني من أوسع أبوابها كما فعل علماء أوروبا بالنسبة للمسيحية ونصوصها المقدسة. ولكنا تحررنا من سجن المعنى الحرفي الذي يقول لنا بأن قطع يد السارق أمر الهي أو قرآني لا يناقش وكذلك رجم المرأة الزانية حتى الموت وكذلك جلد كل من تسول له نفسه أن يشرب كأسا من الخمر الخ..هنا تكمن استبدادية المعنى الحرفي إن لم يكن إرهابه المرعب الذي يجعل المسلم في صدام مباشر مع العصر وكل أمم الأرض. لو انتصرت أطروحة المعتزلة التي تبناها المأمون في وقته لكنا استطعنا أن نمشي خطوة إضافية إلى الأمام وربطنا النص القرآني ببيئته وعصره: أي شبه الجزيرة العربية والقرن السابع الميلادي. ولكنا استطعنا عندئذ أن نفرز ما هو عارض فيه ومرتبط بعصره فقط، عما هو أبدي أو روحي سرمدي من توجيهات روحية وأخلاقية عليا. إذ أقول هذا الكلام فاني أتجاوز تفسيرات أركون ربما وبالتالي فاني أتحمل وحدي مسؤولية ما أقول.

ولكن مجرد عودته مرارا وتكرارا إلى هذه المسألة الخطيرة والحاسمة دليل على أنه يوليها أهمية قصوى. فتحرير الوعي الإسلامي من التصورات الخاطئة ولكن الراسخة في العقلية الجماعية على مدار القرون يكون من الجذور أو لا يكون... ولهذا السبب يلح كثيرا على مصطلحات من نوع: نقد العقل الإسلامي، أو اللامفكر فيه في الفكر العربي المعاصر، أو تراكم اللامفكر فيه منذ هزيمة الفلاسفة والمعتزلة بعد القرن الثاني عشر وحتى اليوم.

فقد ضاقت ساحة المفكر فيه أو الممكن التفكير فيه في العالم العربي بعد الدخول في عصر الانحطاط وازدادت مساحة اللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه إلى درجة أنك لم تعد تستطيع أن تخوض في الشؤون الدينية أو أن تقول أي شيء عقلاني عن الدين. ففي كل خطوة تخطوها يمكن أن تصطدم بلغم من العصور الغابرة أو قنبلة موقوتة وتقول كلاما يورطك ويدفع بالأصوليين إلى تكفيرك فورا وإباحة دمك كما فعل القادر بالله مع المعتزلة الذين لوحقوا في الأمصار كافة وأحرقت كتبهم وأخمدت أنفاسهم...

تصوروا هذه المهزلة التي لا تكاد تصدق: كان بإمكانك في القرن العاشر أو التاسع بل وحتى الثامن الميلادي أن تتحدث عن خلق القرآن. ولكن ليس بامكانك أن تفعل ذلك في القرن الحادي والعشرين! ألم يقل شاعرنا الكبير نزار قباني: ويمشي إلى الوراء الوراء؟ ثم يقولون لك: إمبريالية، صهيونية، استعمار..هذا هو أبشع أنواع الاستعمار: أن تكون سجين يقينياتك المطلقة وتصوراتك الخاطئة وأساطيرك الطفولية التي تؤدي إلى شلل المنطق وتعطيل العقل.

أكبر أنواع الاستعمار هو أن تستعمر نفسك بنفسك فتظل أسير الأفكار القديمة التي عفى عليها الزمن دون أن تستطيع منها فكاكا. أبشع أنواع الاستعمار هو أن تظل طفلا من الناحية العقلية: أي غير قادر على التوصل إلى مرحلة البلوغ أو سن الرشد. وهذا هو تعريف كانط للأنوار حيث يقول بما معناه: نريد أن نفكر بأنفسنا، أن نفتح عقولنا، ولكن القس أو الكاهن المسيحي يقول لنا: لا تفكروا ولكن آمنوا، سلموا، الغوا عقولكم واخضعوا... وهذا ما يقوله شيوخ الإسلام على مدار الساعة في كل الفضائيات العربية دون أن يتجرأ أحد على معارضتهم أو مساءلتهم... فكلامهم منزل ومعصوم. إنهم ليسوا بشرا، لقد ارتفعوا فوق مستوى البشر. ولا تستطيع أن تواجههم في أي مناظرة علنية على شاشات التلفزيون لأنهم سوف ينتصرون عليك سلفا. وإذا ما تجرأت وفتحت فمك فإنك سوف تصطدم حتما بأحد الألغام اللاهوتية الخطيرة وما أكثرها. أقصد سوف تضرب عرض الحائط على غير وعي منك بإحدى اليقينيات الكبرى الموروثة أبا عن جد منذ مئات السنين والراسخة في العقلية الجماعية كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. وعندئذ يسهل على الشيخ الجليل أن يوجه إليك الضربة القاضية عن طريق البرهنة على كفرك أو خروجك على الدين أمام ملايين المشاهدين..

أتمنى لو أنه يوجد شيخ إسلامي واحد في مستوى عالم اللاهوت الالماني هانز كونغ أستاذ العلوم الدينية في جامعة توبنغين بألمانيا. فهذا العالم المسيحي منفتح على الفكر الحديث ومطلع على النظريات العلمية الكبرى. بل إنه يطبق مفهوم القطيعة الابستمولوجية للعالم الاميركي توماس كهن على اللاهوت المسيحي فيضيئه بشكل لم يسبق له مثيل. وعندئذ يفرق بين لاهوت القرون الوسطى، ولاهوت الإصلاح الديني للوثر، ولاهوت التنوير، ولا هوت الحداثة بل وحتى ما بعد الحداثة...

هذا في حين أن شيوخنا الأجلاء لا يزالون غاطسين من أعلى رأسهم إلى أخمص قدميهم في لاهوت القرون الوسطى الطائفي والمذهبي بالضرورة. وهو لاهوت أو فقه يكفر أربعة أخماس البشرية إن لم يكن أكثر. بل إنه يكفر نصف المسلمين أو ثلاثة أرباعهم.. وبالتالي فنحن لسنا متخلفين فقط في علم الذرة والفضاء وسوى ذلك. نحن متخلفون أيها السادة أولا وقبل كل شيء في علم الدين وفقه الدين وفلسفة الدين.

ما سر كل هذا التخلف يا ترى؟ ولماذا لا نستطيع أن نردم الهوة السحيقة التي تفصل بيننا وبين الأوروبيين في المدى المنظور؟ هنا نصل إلى الأطروحة الكبيرة الثانية من أطروحات أركون حول سبب التخلف العربي أو الإسلامي.

يقول بما معناه: بعد موت ابن رشد عام 1198 لم تقم للفلسفة قائمة في أرض الإسلام. وخلال القرون التالية لم يضف المسلمون فكرة واحدة بالقياس إلى ما سبق باستثناء ابن خلدون في القرن الرابع عشر. ولكنه كان الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. خلال سبعة قرون كانت أوروبا تصنع الحداثة العلمية والفلسفية والصناعية والتكنولوجية. وكان شيوخ الإسلام في ظل الخلافة العثمانية ملتهين بالتكرار والاجترار والمناقشات البيزنطية العقيمة وهم يعتقدون بأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة التي تعفيهم من أي تساؤل أو فضول معرفي. في تلك القرون الحاسمة ظهر كوبرنيكوس وغاليليو وكيبلر ونيوتن وديكارت وسبينوزا وكانط وهيغل وعشرات غيرهم ولم يظهر عالم أو فيلسوف مسلم واحد... لقد خرج المسلمون من التاريخ مدة ستة أو سبعة قرون. لقد ناموا على التاريخ نومة أهل الكهف. وعندما استيقظوا على وقع سنابك نابليون وجيشه أحسوا بالهلع والرعب... فركب الحضارة كان قد سبقهم بسنوات ضوئية وما عاد بالإمكان استدراك الفوات الحضاري. من هنا سر الاختلاجات الهائجة التي نشهدها اليوم. من هنا سر التخبط والفوضى والفشل والتمزق والإحباط... ثم يسألونك بعد كل ذلك: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ ولكن إذا عرف السبب بطل العجب..

الرئيسية

 

الشخصية السورية الوطنية

 

لجنة إدارة الخارج

أحزاب سورية

منتدى الحداثة

اتصل بنا

صحافة و إعلام

حقوق الإنسان