حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية

المؤتمر التأسيسي 

مقدمة 

الحزب

أفكار و مواقف

الملف الحزبي

بيانات

 
الرئيسية
بيانات الحزب
صحافة و إعلام
 أحزاب سورية
حقوق الإنسان
أرشيف المقالات
  اتصل بنا
نشرة الحداثة
للانتساب إلى الحزب
 

 

 
 
 

*تشريح الذات المقدسة                                                                                 أحمد شهاب

 موقع تنوير

الذين يكتبون التاريخ يدوّنون ما يعشقون، لا ما حدث فعلا، فكل ما يكتب بنظرهم يجب ألا يمس أحدا ممن يعتبرهم هذا الطرف أو ذاك مقدسا، وفوق درجة النقد. وأحسب أن هذا مرده الرغبة بحماية الذات من خلال الركون إلى التاريخ، فالماضي يمثل بالنسبة إلى المسلمين بصورة عامة عمود الثقة الذي يستندون إليه، والذي يُعتبر مساسه خدشا في الذات قبل أن يكون خدشا في أسلافهم، وهم يخشون أكثر من غيرهم أن تتسبب فاعلية تيار النقد في انهيار الانموذج/المثال الذي به يقيسون حالهم.

وهي صورة مكثفة من الارتهان للماضي الذي لم تفلح كل الكتابات والخطابات المناهضة له من أن تنتزع نفوذه من نفوس أتباعه، بخاصة أن هذا النفوذ تدعّم طوال السنوات الماضية بفكر احتجاجي إقصائي، عززت مكانته سلسلة من الصراعات العقدية والفكرية التي لم تجد غير التاريخ سياجا وحاميا عنها، فغض هؤلاء أعينهم عمدا وإصرارا عن التوجيه والإرشاد القرآني الذي رسم خارطة طريق في منهج التعاطي مع الماضي، والذي هو مشترك إنساني في الدرجة الأولى، ورهنوا أنفسهم لذاكرتهم المثقلة.

لقد أدى هذا الارتهان إلى عجز المسلمين عن قراءة تاريخ أسلافهم، وأخفقوا في تحليل الأحداث بصورة منطقية، لأن التاريخ ورجاله فرضوا سلطتهم على الحاضر ورجاله، حتى أصبح المسلم الورع في العرف العام هو ذاك الذي يصدق حكايات الماضين وما تنقله مدونات المؤرخين بلا تردد أو ريبة، وإن غلب عليها طابع المبالغة أو حتى بلغت حد الكذب. وعادة ما يتم السكوت عن مبالغات التاريخ التي تدعم هذا الطرف أو ذاك لأسباب (دينية/عقدية)، كما تحاول بعض الأطراف تثبيت وقائع غير منطقية ولا تحظى بتأييد علمي من مصادر موثوقة بأدلة من القرآن والسنة وليّ عنق النص والحقيقة تعزيزا لطرف ضد آخر.

ولا نفتئت على الواقع إذا قلنا أن أغلب المؤرخين في هذا الزمان لايزالون يفتقرون إلى طريق واضحة في جمع الأخبار ونقلها، ولم يحاولوا أن يحدثوا منهجا ملائما للتأريخ يحفظ مواد الأخبار قبل صورها، وأصول الحوادث وفصولها، بل اتكؤوا في الغالب على ثقتهم الكاملة بالمؤرخين الأوائل، واعتمدوا على ما تناقلوه ودوّنوه من أخبار بالكثير من الثقة والتسليم، وهو ما أدى إلى تكرار الأخطاء التاريخية، وما وقع فيه السلف من أخطاء ورثه الخلف من دون تفكير أو دراية، خصوصا إذا علمنا أن كثيرا مما دونه السابقون لم يخل من عيب أو انسياق وراء الأهواء، لكنها على رغم ذلك تسربلت برداء القداسة والطهورية لأنها جاءت عن طريق أحد المصادر التاريخية المعتبرة.

النقد الموضوعي

لا شك أن علم التاريخ اليوم حاز على أدوات جديدة تؤهله لتجاوز مرحلة الفن إلى مرحلة العلم، وهو يخضع لمنهج علمي يستوقف الأحداث والأخبار ويحاول تتبع صحتها من عدمه، كما يسعى لرؤية ومقاربة الظواهر التاريخية بعلمية معتبرة، لكن هذا الكلام لا يعني شيئا في ظل واقع ما يجده الناس في الكتب الدينية والثقافية العامة، أو ما يتداوله رجال الدين على المنابر وفي خطب الصلوات، فهي في الغالب خطابات تكرس السائد لأنها اللغة الرابحة في عصر التجاذب الطائفي الحاد، وفي ظل تحول الدين إلى سلاح يشهره كل طرف ضد الآخر بهدف إلغاء تأثيره في الحياة العامة.

سيتضح هذا القول عند العلم بأن الكثير مما يتم تداوله اجتماعيا وثقافيا يُبنى على مجموعة مسلمات تاريخية لم يجر التحقق من صحتها أو كذبها، ولم تخضع للفحص العلمي، لكنها في الحقيقة تستخدم من أجل تحقيق معادلة أخرى ليس لها علاقة بالبحث العلمي والثمرة المعرفية، وإنما تتصل بتحريض الجمهور واستقطابه في اتجاهات محددة سلفا، وهنا يكون التحريف مبررا ومقبولا عند بعض التوجهات إن لم يكن أغلبها، ولا يكاد يستنكف حدوثه إلا القلة من أهل العلم، وقد قرأت مرة أن جماعة كانت تبرر كذبها على النبي (ص) بأنه كذب لمصلحة النبي وليس ضده، على اعتقاد منهم أنهم بتلفيق الأحداث والروايات يستقطبون عددا أكبر من الشارع للإسلام بحسبة المعادلات الرياضية (+1).

أما التحريف من أجل السلطة، فهو أمر لم تسلم منه أكثر الكتابات التاريخية، حتى ظن بعضهم أنه لم يُدوَّن كتاب تاريخي إلا بناء على أوامر سلطانية عليا، أو نتاج خدمة يقدمها المؤرخ لأصحاب الحول والقوة، وهو ادعاء مردود بطبيعة الحال، لكنه يشير إلى حجم الخطر الذي يعترض الأمة جرّاء انقياد المؤرخ لمنزعه الشخصي وتخليه عن الموضوعية والاتزان المعرفي، ونتيجة لاعتناء المؤرخ بتدوين تاريخ النخبة الحاكمة وابتعاده عن رصد وتتبع تاريخ الفرق المضطهدة والشعوب المقهورة، وهو مسلك اعتُمد في الماضي واستُنسخ في الحاضر وكأن تاريخ التأريخ يعيد نفسه من جديد.

فلم يعد أمام المسلمين للخروج من دائرة الضعف والوهن إلى دائرة الحضور والقوة إلا باتباع طريق النقد لأنفسهم ولرجالهم وتاريخ أسلافهم، وعبر إعادة النظر في موروثهم الثقافي والفكري، والتحرر من قلق القراءات الجديدة للتاريخ، فتاريخنا ليس بهذا الصفاء الذي حاول بعضنا أن ينقله الينا، ورجال ذلك الزمن ليسوا جميعا منزهين عن الخطأ، وقراءة تجربتهم بروية الحكماء وحدها التي تفيد في مجتمعاتنا المعاصرة.

كاتب كويتي

 

أعلى الصفحة

 

الرئيسية

 

الشخصية السورية الوطنية

 

لجنة إدارة الخارج

أحزاب سورية

منتدى الحداثة

اتصل بنا

صحافة و إعلام

حقوق الإنسان