مقدمة :
عالم قديم ذلك الذي يعيش فيه
السوريون ينسجون بالأساطير تاريخهم ، يراقبون العصر الحديث بعيون القرون الوسطى ،
يحللون و يشخصون و يصوغون بأدوات اندحرت أثناء مواجهتها لحقائق العلم والعصرالحديث
.
لقد بات من السهل التسلط عليهم فبدا تحقيق التقدم واستئناف الحركية و خلق
الحداثة في مثل هذه البيئة مهمات مستحيلة .
لقد وقع السوريون في دورة السقم و صارت الجدلية حاكمة للعلاقة بين التخلف الهيكلي المتمثل في التخلق البشري القروسطي و بين التسلط و سوء الإدارة و الديكتاتورية ومهدت تلك الظروف للوصول إلى الحال السوري المزري بمسلسل أزماته التي لا تنتهي ، أزمات و كوارث في كل مكان ، هددت الأمن النفسي الجماعي و فاقمت الاغتراب و الإحباط و الضياع المعنوي و الاستلاب ، لقد أنهك السوريين الفقر و شلهم القمع و الترويع و التهميش وغسل الأدمغة المعمم مؤسساتياً ، لينعش ذلك استعدادهم التراثي المتأصل لمقاطعة الفعاليات العامة التي تتصدى للتغيير و التحديث .
إلا أن أجهزة المناعة الذاتية للسوريين بدأت تتعافى لتقاوم نزعات التدمير الذاتي وتعيد التوازن و الحركية إلى الساحة السورية ، لقد عملت الصيرورة الاجتماعية – الاقتصادية في سورية و المتغيرات الطارئة في المحيط الدولي على خلق مناخ جديد قرر فيه السوريون المواجهة، على جبهتين ، جبهة الفوات التاريخي و النظام المعرفي القروسطي المحدد لنوع التخلق البشري القديم و المتخلف ، وجبهة التسلط و القمع و الديكتاتورية ، و رغم إدراكهم أن قوافل العداء و الرفض و القمع سيسيرها التحالف الموضوعي بين قوى المراوحة و المحافظة و أعداء الحداثة من التيارات الشعبوية من جهة وبين المتسلطين القامعين و الفاسدين من جهة أخرى .إلا أن السوريين لن يواربوا أو يتهربوا من استحقاقات التاريخ ، و حددوا أرضية المواجهة بتنظيم أنفسهم و الأخذ على عاتقهم أعباء و تبعات المعركة السياسية و الثقافية لتنظيمهم هذا ، لقد أسموه تعبيرا عن شعاراتهم و موضوعا تهم حزب الحداثة و الديمقراطية لسورية .
كيف يرى حزب الحداثة نفسه ....
حزب الحداثة و الديمقراطية ، حزب سياسي سوري ، تنويري و تحديثي البعد و الوظيفة ، علماني و ديمقراطي و ليبرالي البنية و الهيكل و الغاية ، يسعى سلمياً لإحداث التجذير الفكري و السياسي لمنظومة جديدة من القيم و العقائد السلوك و المواقف التي تخضع بمجملها لضوابط العقل العلمي المستقل عن كل ما يتجاوزه ، إنه تنظيم يتوخى في العالم السوري الفعل من اجل تجاوز السكون و الركود و الفوات السياسي و الثقافي و الأخلاقي ، من خلال البداية في سير حثيث لإشعال فتيل الانعتاق و الانفتاح و الحركة الدائمة ،
إنه العمل المنظم الذي يهدف في سورية إلى إحداث القطع النفسي و المعرفي لدى السوريين مع ميكانيزمات إدراكهم السائد و رؤيتهم الأسطورية للوجود في كونه محصلة للصيرورة بين الذات و الموضوع .
إنه أداة السوريين الجديدة التي تمكنهم من أن يبدؤوا في تدمير ثقافي لعالم القرون الوسطى الذي يعيشون فيه ، ثم الشروع في إعادة البناء للجديد المتجاوز للفوات المعرفي الذي تعاني منه أنظمة الفكر في العالم السوري ، بحيث تتمكن الذات الجديدة السورية من أن تنطلق في تخلق و تشكل جديد . تبدأ معها السياسة مسيرة جديدة على أرض جديدة و يتخلق المجتمع السوري الحديث و تتواءم مضامين و أشكال التعبير الحديث عن الوجود الاجتماعي ، فتستحق كل النسخ المشوهة المكرورة من هذه الأشكال أسماءها العصرية أحزاباً سياسية و مؤسسات مجتمع مدني و سلطة سياسية وقوانين و معايير دستورية . وتصبح الديمقراطية في هذا العالم المعرفي الجديد الذي يطمح إليه الحزب في سورية صائبة و عادلة لتحرر آلياتها و أدواتها ووحداتها الباعثة.
نشأته
تعود بدايات تأسيسه إلى نواة يغلب على تكوينها مجموعة من طلاب يدرسون في جامعتي دمشق و حلب بالإضافة إلى فئات اجتماعية ذات خلفيات و سويات مختلفة بدأت الحوار منذ عام 1996 حول الشأن السوري بهدوء و حذر شديدين يفرضهما عليهم و عيهم و إحساسهم بوطأة شحنات الرعب التي ضج بها الاجتماع السياسي السوري منذ أحداث 1979-1982 و التي حفرت في الذاكرة الجمعية السورية جرحا و خلقت عقدا من الخوف من الصعب تجاهلها .
و بطبيعة الحال ذلك الحوار حول الوضع السوري لم يجد صعوبة في رصد ما في العالم السوري من أزمات متوالدة و مركبة تزداد تفاقما بسبب تعطيل منظومة القمع السورية ( نظام العكسر البعثي ) لكافة الآليات الاجتماعية السياسية التي يمكن لها أن تتجاوز الحال – الكارثة و تتعامل مع آثارها بفعالية ، فالقمع الذي بلغ حد المجازر و الاعتقال الطويل الذي تعرض له عشرات الألوف من السوريين ثم مصادرة السياسة من المجتمع و السيطرة الكاملة على الحقل العام و التحكم بكل مفاصل صناعة الوعي و الرأي في سورية عبر سياسات التعليم العقائدي و تبعيث السلطة الرابعة ، وتمدد هيمنة النظام السوري أبعد من الحدود السورية ، كل ذلك زاد من تعويق أي حراك سوري و تعقيد شروط البدء فيه ، و لم يغير رحيل حافظ الأسد شيئا من تلك الصورة ، بل كانت القناعة السائدة لدى مؤسسي حزب الحداثة بعد اعتمادهم على أدوات التحليل النفسي التربوي في تحليل و قراءة شخصية بشار الأسد وريث الحكم في سورية ، أن الأسد الابن لا يمكن إلا أن يكون نسخة عن الأب و امتدادا لسياسته و سيرته ، و رغم عدم إجادته لبراغماتية والده و غياب إمكانية أن يحوز ما يعادل خبرة أبيه التي تراكمت لديه خلال عشرات السنين من تربعه على رأس السلطة في سورية خصوصا في تعامله مع الملفات الإقليمية و الدولية ،إلا أن صناعة القرار السياسي ذات الطبيعة غير المؤسسة ( مجسدة) في الداخل السوري و تعاطي الأسد الابن مع الشأن الداخلي لن تتغير في مضمونها و أن أي تغيير قد يتبدى للعيان في الملف السوري الداخلي لن يكون إلا تجميليا أو سطحيا أو مؤقتا ، الأمر الذي يجعل من الصعب بمكان ممارسة عمل سياسي جدي و جذري من داخل سورية التي تحولت إلى سجن كبير لا يمكن أبدا خلق أي هامش فيه لمعارضة النظام ، إلا ذلك الذي يحدده النظام و يرسمه هو بنفسه الأمر الذي يفرغ معنى معارضته من مضمونها .
لذلك قررت هذه النواة و توسعاتها التالية أن تبدأ العمل السياسي العلني من الخارج ، بعد تأسيس الحزب في سورية مباشرة في نيسان من عام 2001 ، و خرج بالفعل أحد أعضاء النواة المؤسسة و بعض الشخصيات الأخرى من الحزب و بدؤوا العمل السياسي منذ ذلك التاريخ .
نبذة عن المحتوى النظري للحزب
في السياسة و ضرورة مناهضة النظام الديكتاتوري السوري
السياسة في فكر حزب الحداثة تجسد عملي و واقعي لما هو ثقافي و معرفي ، و الأزمة السياسية في سورية من هذا المنظور تعكس أزمة نظم معرفية و بنى عقلية على المستوى الاعمق ، يعقد هذه الأزمة أنها أزمة دائرة مغلقة ، المعرفي ينتج ما هو سياسي و ما هو سياسي يؤكد و يعيد إنتاج المعرفي الذي أنتجه أصلا و هكذا ، و عبر المثال السوري أنتج المجتمع غير المدني السوري نظامه السياسي الحالي في تعبير عميق عن التناقضات و الأزمات التي تعتمل لديه و محصلة مباشرة لصراعات القوة و تنافرات أطرافها و توازناتها فيه، و بدوره يسعى هذا النظام و لأسباب بنيوية إلى تأبيد الشروط التي أنتجته و ترسيخ بيئة انتاشها فيعمق الأزمة المعرفية في المجتمع و يزيد من حدة تعبيراتها، حماية لمشروطية وجوده هو بالذات .
· فحين يكون المجتمع السوري غير مدني الوعي منقسم حول رؤية حدية للنجاة و الحقيقة ، لا يعرف التسامح بالمعنى الحديث للكلمة ، و لا يقبل الاختلاف ، و غير قادر على أن ينظر إلى ذاته نظرة موضوعية و تاريخية و إنما أسطورية، يصبح من الطبيعي أن يظل مجتمع طوائف كل منها يمثل الحق و الخير ، و يمتلك ناصية المعرفة الجوهرانية و الطائفة الأخرى كافرة لا يمكن التسامح معها ، بل التسامح معها يكون من المستحيل التفكير به بالمعنى التاريخي المعرفي ، إن تلك الصورة و بمقدار ما تفسر لجوء النظام إلى اللعب على الوتر الطائفي من أجل ترسيخ سطوته و هيمنته ، تشرح أيضا تأثير المحور الطائفي على الانقسام السياسي للمجتمع و توزيع إراداته و أهدافه السياسية إلى اتجاهات مختلفة و متناقضة .
· و حين يكون المجتمع السوري مجتمع قبائل تغيب فيه قيمة الإنسان و حريته لمصلحة قيم القبيلة ، و تضيق حدود الوطن معه لتصبح على قد القبيلة ، و يصبح الانتماء للوطن انتماءا للقبيلة و إقرارا لمفاهيمها وانتصارا لقراءتها ، تصطدم هواجس الوطن الحديث و علاماته في التنمية و الاقتصاد و الانتماء مع صنمية معايير القبيلة و تتناقض معها ، و يغرق هذا المجتمع على خلفية ذلك الاصطدام في مراوحة و سكون و يستقر على وضع إعاقة مزمن ، ما يجعله يجتر فشله و خيبته باستمرار .
· و حين يكون المجتمع السوري مجتمع ذكور ، تكون الذكورة فيه قيمة معيارية ،أما الأنوثة فضعف و عيب و عار و غياب ، الأنثى في هذا المجتمع تتحول إلى مجرد مقر محتقر للذة و آلة بشرية للولادة ( للقبيلة) ، و عندما ترتقي في الأوساط الأعلى في سوية تعليمها و متوسط دخلها ترتقي فقط لتكون صورة و هامشا و شيء ، بهذا ينحسر المجتمع إلى نصفه المستبد و يعاني من تشويه وجودي في نصفه المغيب وتنحسر حظوظه في التقدم و الرفاه .
· و حين يكون المجتمع السوري مجتمعا شموليا ليس للفرد أي مساحة فيه لذاته حيث لا تواجد لأي حقل ذاتي خارج عن هيمنة الجماعة ، و ليس من محدد لسلم القيم و نوعها إلا منظومة القيم العتيقة لتلك الجماعة و التي تطال معاييرها و تحديداتها كل شيء ، بداية بكيف يدخل المرء إلى بيته ، و كيف و ماذا يأكل و نهاية بأهم التشريعات و القوانين و الحدود ، وعندما لا يملك أن يكون الفرد لدى الجماعة إلا نسخة عن سواه ، و الخروج إلى ذاتيته و فرديته يجعله خارج على الجماعة مكسر لصنمية معاييرها كافر و زنديق و مهرطق ، و على خلفية سحق المجتمع المنظم لذاته بقمعه للفردية فيه تتلاشى فرص الإبداع لديه و يتعمق ضياعه و اجتراره لنفسه .
· و حين يكو ن المجتمع السوري مجتمعا ماضويا تبدأ الأزمنة لديه عند لحظة الوحي و بمقدار ما يقترب منها و يتمثلها بمقدار ما يحقق خلاصه و سعادته ، يصبح المستقبل لديه ابتعادا عن الصفاء و الحق و النجاة و انغراسا في البعد عن منابع الحقيقة النهائية و الكاملة و .يمسي التقدم فيه سيرا إلى الوراء و تضيع معه معالم الطريق إلى العصر .
· و حين يكون المجتمع السوري مجتمعا لا يعرف العقلانية الحديثة منهجا للحياة و للتفاعل مع الواقع و الانخراط في مجرى التاريخ ، و لا تتحكم فيه إلا المعرفة الغيبية المنبثقة من السماء أو المافوق ،فهي الحاكمة لموقفه و هي الضابطة لعلاقاته و تفاعلاته مع العالم، يزداد عبر هذه المعرفة و من خلالها بؤس الحال السوري بؤسا و يتعمق تخلفه و ترديه و تتفاقم عزلته و هزيمته .
· وحين تكون صورة الأزمة التي يعاني منها المجتمع السوري على هذا المستوى الكارثي من التعقد و التركيب و التفاقم ، و عندما يمنعه النظام من التعبير عن نفسه و أزماته من خلال حظر هذا النظام للسياسة و العمل السياسي و المدني فيه و حين يعيق حراكه و يقوض ميكانزمات و آليات التغيير الذاتي لديه ، فانه يخنق بداءات التنوير و التحرير البشري فيه و يعطل الجدلية الاجتماعية ،
لكل ذلك
يكتسب النضال في مناهضة الاستبداد ضرورته القصوى و يصبح لمواجهته و التناقض معه بعدا تنويريا و تحريريا حقيقيا للوجود السوري ، و تصبح الأزمة الحلقة المغلقة التي يعانيها هذا الوجود ضرورية الكسر بدءا من نقطة النظام السياسي مع ضرورة كسرها من كل النقاط بشكل متزامن .
في نظرة الحزب لنفسه
يعتقد الحزب أن المجتمعات تنتج الخطابات التي تحتاجها .. و خطاب الحزب هو احد هذه الخطابات ، كما يعتقد أن مكونه الاجتماعي هو جزء من قوى المناعة الذاتية التي تفرزها البنية المجتمعية السورية من أجل إعادة الحياة و التوازن و الصحة إليه
يرى حزب الحداثة أنه مشروع غير منجز، مفتوح على القراءة و الحوار و التساؤل الدائم ، و هو يسعى لكي يظل كذلك ، و يثابر كي يستمر في طرح الأسئلة كل الأسئلة حول الوجود المجتمعي و السياسي السوري دون مواربة أو تابو أو محرمات و بعد إهمال كل مسلمة أو مسبقة أو قالب أو إطار جاهز سلفا معتبرا أن المعرفة تبدأ بأسئلة و إن الإجابات لا بد من أشكلتها في مراحل تخلقها الأولي فالهرب من فخ الايدولوجيا هاجسه الدائم
إن الإجابات التي يقدمها الحزب لأسئلته و التي يتم الحوار حولها و عليها دائما ونقدها أبدا ، يصبو من خلالها و عبرها إلى تأسيس وعي سوري جديد بأهم مفاهيم الثقافة السياسية يتبدل من خلاله الفهم التقليدي و السائد للمعنى السياسي في العالم السوري ، ليمسي فهما ديناميا و حيا و متحركا ،أساسه أن لا تعصب إلا للإنسان و لا وطن إلا به و من أجله ، و لا قيمة لفكرة كبرى و لا لهدف كبير إذا لم يكن هو مبتغاه و حامله و صانعه و المدافع عنه ،
إن الإنسان في وعي الحزب فرد و مجتمع .. فرد أولا ... و حماية حقه في أن يكون له عالمه المتميز عن قيم الجماعة هي المدخل و الأساس في صون الحريات العامة، على ذلك يكون العقد الاجتماعي الجديد الهدف لديه هو ذلك الذي يؤسس للحرية و يحرر ملكات الإبداع المستند بشكل أساسي إلى حق الاختلاف و التسامح و التعدد .
في نظرة الحزب للهوية السورية
و الهوية السورية كما يراها حزب الحداثة هي الإجابة الحية و التاريخية التي يفرضها الواقع العياني لوعي السوريين لذواتهم ، إنها توصيف أمين و حيادي و علمي لهذا الوعي ، يحددها ضبط السوريين – جميع السوريين – لذواتهم و تعريفهم هم لأنفسهم ، إنها مجموع إجابة الجميع ( جميع السوريين ) و تحديدهم ، يختارها و يعرفها الجميع
لذلك لا تشكل إجابة الأغلبية العددية في سورية عن سؤال الهوية إجابة كاملة ، بل حتما حين تكون بمفردها، تمسي إجابة ناقصة و مشوهة ، الأغلبية لا يمكنها أن تخلع - مهما بلغت حدة أغلبيتها - تعريفها و لونها هي فقط على الهوية السورية ، و هي إن فعلت ذلك تكون قد احتكرتها و شوهتها
إن الهوية السورية من وجهة نظر الحزب و إن كانت لها صيرورتها الدائمة و مسيرتها الحية أبدا ، إلا أنها في اللحظة التاريخية الراهنة ذات محتوى تعددي ، عربي و كردي و آشوري و سرياني و كلداني و تركماني ....الخ ، إنها في سعيها التاريخي و صيرورتها صوغ و تكون يعكس غنى التفاعل البيني و الحياة المشتركة بين مختلف الأطياف السورية
إن الحزب و إن كان لا يجد نفسه ضد أي لون سوري إثني أو " ديني " ، يؤكد أنه ضد احتكار و ابتلاع أي تحديد و طيف لبقية التحديدات السورية لأنفسها ، و ضد أدلجة مفهوم الهوية و مناقضته للحقيقة السورية ، إن هذه النظرة (من ذلك المنظور ) لا تشكل انعزالا عن المحيط العربي لسورية بقدر ما تبدو انفتاحا عليه ، وعلى كل محيط كردي و اشوري و كلداني و سرياني و تركماني (...) كل محيط يعني السوريين في انتماءاتهم الأخرى و تحديداتهم في تكامل و تعايش خلاق و منفتح على افاق من الانسجام و التموضع المشترك من العالم و معه .
في مضمون التغيير الذي يسعى إليه الحزب
يرى الحزب أن الاستبداد هو العقبة الأولى و الكأداء أمام تغيير الواقع السوري ، لذلك يبدو العمل في مواجهة المستبد و مقاومته و كأنه عمل ذو بعد تأسيسي لا بد منه في موضوع التغيير، لكنه يرى أيضا أن أي تغيير لا يطال المضمون الديني المنغلق و المتماسك و الساكن للمجتمع السوري يبقى تغييرا شكليا لا يطال إلا أماكن السلطة و ممثلي السيادة فيه ، و هو لذلك يجد في فصل الديني عن السياسي و الروحي عن الزمني بداية لا بد منها لهذا التغيير ، و رغم أن هذا الفصل مهم جدا لإحداث ذلك التغيير إلا أنه غير كافي ، فالحاجة إلى إتباعه بثورة معرفية مفتاحها و أحد أهم مداخلها يتمثل بالإصلاح الديني مهمة ملحة و حاجة أساسية ، هذا الإصلاح الذي يأخذ الحزب على عاتقه المساهمة في تهييء الأجواء للبدء فيه و ربما المساهمة العميقة في إحداثه يهدف بشكل أساسي إلى كسر إقصائية الوعي الديني التقليدي و حدوده الدوغمائية ويسعى إلى فتحه على الفوار والخلاق و المجاز الديني الذي يلامس الأسئلة الكبرى و الخالدة للمصير البشري كما يهدف إلى دمجه بعالم الحداثة في تكامل خلاق و مبدع
إن الحزب يرى أن المجتمع السوري محكوم بالحرية ، وأن أي تغيير قادم لابد و أن يمكن المجتمع من التعبير عن نفسه بحرية ويساعده على صنع قراره و تحقيق إرادته .
إن الديمقراطية التي يعمل من أجلها الحزب تتأسس على المساواة و الحرية و هي من وجهة نظره الأسلوب الأمثل للإدارة و السلطة ، من خلالها و عبرها يكون المجتمع حاكما لنفسه ، لا يضمن ذلك إلا إقرار دستور علماني و عصري يؤسس لقيم المواطنة و يرسخها مبدأ في الحياة العامة ، دستورا يعتمد المساواة أمام القانون و يفصل بين السلطات الثلاث ، ويضمن احترام حرية الإعلام و الصحافة و استقلاليتهما و يضبط الآلية الضامنة لتداول السلطة السلمي و يحقق المعايير التي أرستها الشرعة الدولية لحقوق الإنسان .
ملاحظات عن التغيير
بعد أن عمل النظام القمعي في سورية على إضعاف المجتمع و تعطيل قواه الحية ، وبعد وضع المعيقات القصوى على طريق إعادة التوازن إليه (من منشأ ذاتي ) من خلال شحن الجو السياسي بالخوف المولد للصمت و المكرس للعطالة الذاتية و المفاقم لها، بعد هذا الرعب الذي وسم العالم السوري خلال أربع عقود من قمع و مجازر و تصفيات و اعتقالات طالت المعارضة السورية و عموم الشعب ، على خلفية هذا الإنهاك المنظم للمجتمع ، لم يعد ممكنا تصور إحداث التغيير السياسي في سورية نتيجة لعوامل داخلية ووفقا لها ، خصوصا و أن سوريا تؤثر و تتأثر بشكل متزايد بالمحيطين الإقليمي و الدولي ،
إن أهمية فهم أن التطورات و الأحداث الإقليمية و الدولية المحيطة بسورية و التي لم تلق التفاتة واعية من النظام السوري الذي واظب بدوره على الاستمرار في لون سياسي غير مناسب (الكثير من الحسابات و الرهانات الخاطئة في السياسة العربية و الإقليمية )،قد أدت إلى إضعافه على نحو غير مسبوق، و عرضته إلى ضغط المجتمع الدولي و محاولة عزل العالم له من خلال القرار 1559 الذي أجبره على سحب عسكره من لبنان و الهرب منه دون أن يحفظ له ماء وجهه ،و عبر التحقيق الدولي بمقتل الحريري الذي أصبح العنصر الأساس في تحديد مصيره ، إن أهمية هذا الفهم تكمن في وجوب أن يشكل دافعا لتفاعل قوى التغيير في سورية مع الوقائع الجديدة تفاعلا يحقق لها الاستجابة لمتطلبات الجديد و يوجد لها الأدوات السياسية الجديدة و الراهنية لاستيعاب المرحلة الجديدة و التأثير فيها لمصلحة التغيير الديمقراطي .
لكن المعارضة السورية لم تنتبه لمقتضيات هذا الواقع الجديد إلا على نحو ضئيل جدا ،و لم توظف فعليا هذا الجديد في موضوع التناقض مع النظام ( موقفها من بعض المعارضين و جولاتهم خارج سورية )، حيث أن وجود المعارضة السورية في دائرة البطش السلطوي بالإضافة إلى تشابه المحاور الأساسية الفكرية و السياسية بين معظم المعارضة السورية القومية و الماركسية مع تلك التي لحزب البعث الحاكم قد لعبا دورا مهما في غياب الاستجابة السياسية لدى المعارضة للجديد ، إلا أنه و إن كانت إعاقة البطش لسعي المعارضة في السبب الأول موضوعا مفهوما إلا أن الممارسة السياسية للايدولوجيا في الثاني يفقد السياسة لديهم بعدها العلمي و التاريخي و الحيوي و المثمر ، فالاستمرار بالنظر إلى الولايات المتحدة على أنها العدو الدائم و الأبدي ، هو بالضرورة غير علمي و لا تاريخي ، و عندما تكون هي الدولة الأكثر فعلا و تأثيرا على الساحة الدولية ، تصبح فاتورة الفهم الأيديولوجي للسياسة باهظة جدا
إن الحزب يعتقد أن الاختلاف مع الولايات المتحدة في ملفات عديدة كملف الصراع مع إسرائيل أمر مشروع و أخلاقي و سياسي ، على أن ذلك لا يجب أن يدفع أبدا إلى الإيمان باستحالة التقاطع معها في ملفات أخرى ، فمحاور المصالح بين الولايات المتحدة و حقوق الشعوب في المنطقة و إن كانت تنافرت في الماضي المنصرم إلا أن تقاطعها بدأ يصبح أمرا ممكنا ، أو هو أمر ممكن أصلا وفق تحديدات السياسة ذاتها ، إن استهداف الولايات المتحدة لأنظمة مستبدة بدأت تتناقض معها مؤخرا بعد أن دعمتها أو أمنت لها التغطية و سكتت عنها لعقود مثال حي على ذلك ،كما أن المستجدات السياسية التي طالت العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي و المنظومة الاشتراكية و إطلالة عولمة اقتصادية سياسية بدأت تهدد شيئا فشيئا محاور السياسة الدولية التقليدية و دور الدولة الوطنية و حتى سيادتها و مفهومها التقليديين يتطلب فهما و تعاطيا سياسيين لم تألفهما المراحل السابقة في حياة سورية و العالم ، لا سيما و أن هذا العالم أخذ يبدو كقرية صغيرة كما لم يكن من قبل على خلفية الثورة الكبرى في عالم الميديا و المعلوماتية و الانترنت .
تأسيسا على هذا الوعي و انطلاقا مما يفرضه على المستوى السياسي العملي ، سعى حزب الحداثة و نظر لمبدأ الحوار ، بل و لضرورة الحوار ، مع الآخر في العالم ، الآخر الغربي عموما و الأمريكي خصوصا ، خصوصا أولئك الأكاديميين الأمريكيين و الغربيين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط لما لهم من دور مهم في تقديم الرأي و المشورة التي تساهم في صناعة القرار الأمريكي و الغربي المتعلق بالمنطقة ،و لم يمانع الحزب في لقاء مسئولين سياسيين متخصصين في شؤون الشرق الأوسط من الولايات المتحدة و أوربا من أجل الخوض أكثر في حقل الحوار و من أجل الذهاب بعيدا في كسر التابو السياسي الذي أوجدته أيدولوجيا اليسار القومي و الماركسي و أضافته إلى التابو المتراكم منذ قرون في العالم المعرفي السوري .
إن حزب الحداثة الذي يتطلع إلى مصلحة الإنسان السوري و تحريره في كل خطوة سياسية ينوي أن يخطوها لا يمكن أن يفرط بأي من حقوق سورية الدولة ، ولا في حقها أن تكون سيدة على كل أراضيها بما فيها الجولان السوري المحتل ، و هو لم يفكر أبدا و لن يفكر في المقامرة بمستقبل و مصير السوريين ، لذلك فهو و كما أبلغ كل من حاوره ومعه الغالبية العظمى من الشعب السوري يرفضون التغيير عبر استخدام القوة و عبر الدبابة الأمريكية و غير الأمريكية و أن لا دور للخارج في موضوع التغيير إلا من خلال مساندة سياسية و أخلاقية و معنوية و إعلامية يقدمها للسوريين ،و أن أي مساعدة غير تلك المساعدة هي غير مقبولة حتما ،
إن الحزب الذي يعيش هاجس الشعب السوري و يفكر في قضاياه من منظور سوري ، يؤيد السلام بين سوريا و اسرئيل و يعتبر نفسه أحد الداعين إلى تأسيس حركة سلام سورية تنشر ثقافة السلام و التعايش و التسامح ، السلام القائم على استعادة الجولان السوري المحتل و المستند إلى الشرعية الدولية و تطبيق القرار 242
في الشأن اللبناني
يؤمن الحزب بان لبنان وطن نهائي للبنانيين و تعبير حر عن إرادتهم و رغبتهم في تقرير مصيرهم و إدارة حياتهم ،و إن أي علاقة سورية مع لبنان تتأسس على الوصاية و الهيمنة هي علاقة ينبغي مناهضتها و الوقوف في وجهها ،و إن حزب الحداثة الذي وقف ضد أي وعي أو ممارسة لا تصب في هذا الفهم ، يرى أن نضال اللبنانيين من اجل إنهاء الوصاية و الهيمنة التي أدارها النظام السوري على لبنان طوال عقود نضال يستحق الدعم و التنسيق و العمل معه و له و فق أي مستوى ، كما يعتقد الحزب أن نضالا ضد القمع في سورية هو نضال من اجل حرية لبنان ، و أن النصر للحرية في لبنان هو نصر للحرية في سورية ، و يرى الحزب أن المهمة الملحة القصوى على عاتق أصحاب أجندة الحرية في كلا البلدين تكمن في تضامنهما و تحالفهما و التنسيق بينهما ، فاحد أهم عوامل القوة المستجدة لدى المعارضة السورية تكمن الآن في هزيمة النظام السوري في لبنان و في قوة المعارضين اللبنانين للنظام السوري ، و لذلك يتطلع حزب الحداثة إلى كل علاقة و تنسيق مع اللبنانيين الأحرار في كل وقت و على كل صعيد و يسعى إليها بكل الوسائل ، فصناعة مستقبل للحرية في كلا البلدين لا يمكن إنجاحها ، طالما نظام القمع السوري مستمر في هيمنته على العالم السوري و طالما يسعى للهيمنة على العالم اللبناني ، الديمقراطية و الحرية في لبنان و سورية مرهونتان برحيل الاستبداد في سورية و هو راحل لا محالة قرب زمان رحيله أو بعد .